تناقش رواية غوابا الأولى، والتي نشرت للمرة الأولى في عام 2016 ولاقت انتقادات لاذعة، تناقش تجربة شاب مثلي الجنس في إحدى العواصم العربية في فترة ما بعد الربيع العربي. يتحدث الكاتب سليم حداد إلى مجلة ماي كالي حول الهوية، (الدور الاجتماعي او التعبير الجندري)، والجنسانية.


بقلم أنتونيا كريسل
ترجمة: إ.خ.ق
تصوير سامي حداد

 


مضى عام وثلاثة أشهر منذ نشر غوابا لأول مرة. ما هو شعورك حيال استقبال القراء لها؟ هل أنت راض عن طريقة تلقيها؟
لقد كنت سعيدا مع طريقة تلقي الرواية. فبالنسبة لي، كان من المهم جدا أن تلاقي الرواية صدى في مجتمع الميم (المثليات والمثليين ومزدوجي الميول الجنسية و عابري / عابرات النوع الاجتماعي ومصححي/ مصححات الجنس والكوير) في الشرق الأوسط. فلم أرغب للرواية أن تنفر الناس أو أن تجعل أي شخص يشعر بالاستغلال. ولم أحصل على هذا الانطباع. أعتقد أن الرواية قد لاقت قبولا حسنا من قبل مجتمع الميم.
إحدى التجارب المهمة التي تعلمتها من كل هذا هي إدراك أن ما يعتقده الناس بالرواية ليس من شأني. وهو أمر صعب التحقيق لأن هذه الرواية كانت وما زالت مشروعا شخصيا جدا. ليس لأنها سيرة ذاتية! فهي ليست كذلك! على الرغم من أن كثيرا من مكنوناتي موجودة داخل هذا الكتاب، وسماحي لها بالظهور وسماحي للعالم أن يراها هي حقا تجربة فيها الكثير من المخاطرة. هناك الكثير من طبقات الضعف التي أتعامل معها. إنه سؤال ما زلت أعالجه بطرق عديدة.

لقد نشأت في الأردن، في بيئة كنت أشعر أنني إذا أظهرت هويتي الحقيقية فيها للعلن، فسأعاني من عواقب مروعة مثل الرفض، والإذلال، والعار، والأذى. تعرضت قليلا للتنمر في مرحلة المدرسة الثانوية، بأسلوب عنيف جدا في أغلب الأحيان، وهو ما يواحهه العديد من المثليين. لذلك فقد تعلمت منذ سن مبكرة كيف أخفي هويتي بأساليب كثيرة. في حقيقة الأمر، كان إخفائي لهويتي كأنه سبيل للنجاة. ولهذا السبب فإن نشر هذا الكتاب كان بمثابة كشف الجانب الضعيف مني.

 

إحدى الأمور التي أخذها الناس من هذا الكتاب هو قضية أن يكون الشخص عربيا ومن الأحرار جنسيا أو ما يعرف ب”كوير” في آن معا، مع الأخذ بعين الاعتبار جميع الصراعات التي تأتي جنبا إلى جنب مع تلك الهوية. ما هو انطباعك عن الجدل الدائر حول الكويرية العربية: هل أصبحت أكثر شمولية وأوسع اطلاعا منذ نشر غوابا؟
نعم، أعتقد ذلك. أشعر وكأن الأمر برمته كان مؤكدا جدا على أسئلتي حول معنى هذه الهويات المختلفة لدي أثناء عملية الكتابة – كيف تستطيع أولا تستطيع التوفيق بينها وإيجاد مساحة لنفسك ضمن محددات كل من هاتين الهويتين اللتان طالما أكد الآخرون على استحالة توافقهما. وحقيقة أن هذا الجزء من الرواية كان له صدى عند الكثير من القراء، جعلني أكثر تأكدا من أثر الرواية في الكويرية العربية. فهي تتناول موضوعا يعاني منه الكثير من الناس، ليس فقط من داخل مجتمع الميم العربي، ولكن على نطاق أوسع فيما يتعلق بقضايا الهوية والنوع الاجتماعي والجنسانية.

لقد أصبحت هذه أمور يتباحث بها الناس الآن في جميع المجالات ويحاولون التصالح معها. أنا سعيد أن هذه الرواية تعطي الناس وسيلة للتفكير في ذلك. بالنسبة لي، فإن ما سمعته من الكثير من القراء العرب هو أن رؤية ثقافة عربية كويرية ممثلة في الرواية، سواء كانت في الحانة أو في مشاهد تمثيلية، أو في الطريقة التي تتحدث بها الشخصيات مع بعضها البعض. رؤية ذلك كله مكتوبا كان أمرا في غاية الأهمية بالنسبة للناس. وذلك لأن الرواية أكدت هويتهم الخاصة، وهذا ليس شيئا كنت أعتزم القيام به. هو ببساطة شيء إيجابي جدا نتج عن هذا الكتاب. فهذه الرواية إلى جانب العديد من النشطاء العرب الكويريين/ات والمنتجات الثقافية الأخرى المتواجدة في الوقت الراهن، سواء كان مشروع ليلى أو مجلة ماي كالي، أو غيرها من الإصدارات الثقافية، أشعر أنها تساهم في صقل الهوية الكويرية العربية الجديدة ، وهي هوية عالمية أيضا. وهذا بحد ذاته شيء عظيم فعلا.

 

هل تعتقد أن هذه الهوية الكويرية العربية العالمية الجديدة آخذة بالتطور؟
نعم، بالتأكيد، وأرى أن الناس أصبحوا أكثر ثقة بأنفسهم. وأعتقد أن هذا يحدث فقط عندما يرى الناس أن الآخرين لديهم ثقة بأن يكونوا أنفسهم. غوابا ليست سوى جزء من حركة أوسع تحدث حاليا في جميع أنحاء المنطقة. إنه شعور رائع أن تكون جزءا منها بطريقة أو بأخرى. إنه أمر مضحك حقا، فأنا لم أدرك أبدا أنني سأكون ذلك الشخص. فأنا لم أكن ناشطا أبدا أو أي شيء من هذا القبيل. أنا فقط مثلي الجنس. هذا بالفعل هو المعيار الوحيد الذي أمتلكه.

 

لماذا برأيك يوجد خطاب يجعل من كون المرء عربيا وكويريا يبدوان كأمران لا يمكن التوفيق بينهما؟
أعتقد أن هناك عددا من العوامل الثقافية والاجتماعية والسياسية المختلفة التي ساهمت في ذلك المفهوم. الأمر الأول هو أنك إذا نظرت إلى تاريخ الاستشراق، خاصة عندما يتعلق الأمر بالروايات و أساليب تمثيل الجنس والجنسانية، ترى أن فكرة الشرق المحافظ جنسيا على النحو الذي طرح في الإنتاج الثقافي الغربي ما هو إلا ظاهرة حديثة.

ففي الآونة الأخيرة فقط تطور الخطاب الغربي حول الجنس في الشرق الأوسط ليصور الشرق الأوسط كمكان عدائي وخطير بالنسبة للنساء وللأشخاص الذين ينتمون لمجتمع الميم. هذا السرد غالبا ما يعبث بعقول الأشخاص المثليين في الشرق الأوسط لأنهم يشعرون أن الطريقة الوحيدة التي يمكنهم أن يكونوا أنفسهم هي بإزالة أنفسهم من مجتمعاتهم. لذلك ترى الكثير من الروايات التي تنادي بفكرة الحرية عن طريق المغادرة، أي يجب عليك أن تهرب من الشرق الأوسط، وأن تذهب إلى الغرب. هذه هي الطريقة الوحيدة للهروب من القمع في الشرق الأوسط. لذا، فإن هذا القالب النمطي حول الجنسانية في الشرق الأوسط وكونها مضطهدة عزز فكرة أن فئات مجتمع الميم ما هي إلا نتاج مفهوم غربي. هذه الفكرة تنشر أيضا من قبل الإسلاميين الراديكاليين والقوميين العلمانيين في الشرق الأوسط. كل هذا يساهم في فكرة أنه لا يمكن لأي شخص أن يكون مسلما ومثلي الجنس أوعربيا ومثلي الجنس في آن معا. وأعتقد أن هذا الأمر شكل صعوبة بالغة على الكثير من أفراد مجتمع الميم.

وهذا أيضا يقترن بواقع أن الناس في الشرق الأوسط لا يتحدثون بشكل عام عن قضايا الجنس والجنسانية، سواء كانوا من المغايرين جنسيا أو من المثليين جنسيا. حيث أنه عندما تكون مثل هذه القضايا غير مطروحة للنقاش بشكل علني ومنفتح في بيئة ما، ما ينتج في هذه الحالة هو تهميش للهويات الجنسية والنوعلاجتماعية لتصبح غير مرئية أصلا.

وغالبا ما أدحض أقوال تصدر من أناس يقولون مثلا: “حسنا، ولكن لا يمكنك الحديث عن الجنس والجنسانية، سواء كان مغاير أو مثلي الجنس.” بقولي لهم: “حسنا، إلا أنه لديكم حفلات زفاف لمغايري الجنس، بالإضافة إلى أن العلاقات المغايرة يحتفى بها في كل وقت.” إن الجنسانیة الغیریة جزء لا یتجزأ من الحیاة الاجتماعية العربیة والمجتمع. أما المثلية الجنسية فغالبا لا يحتفى بها بنفس الطريقة. لذلك، لديك تهميش كبير في ذلك الأمر.

 

لقد ذكرت النخبة السياسية، سواء كانت إسلامية أو علمانية قومية، أنهم وباستخدام الجنس لممارسة الضغط على العامة والسيطرة، عن طريق الحد من هويات جنسية معينة في حين يفرضون أجندات تعزز من التحرر الجنسي والهوية الجنسية المغايرة. لماذا برأيك أصبحت الجنسانية إحدى محركات القوة بيد السلطة؟
هذا سؤال جيد جدا. هذا سيكون موضوعا جيدا جدا للمناقشة في حانة غوابا (وهو اسم الرواية). أشعر أن هذا السؤال هو تقريبا ما دفعني إلى كتابة هذا الكتاب. كتبت هذا الكتاب جزئيا لأنني أردت أن أفهم أين تنتهي الحدود الشخصية وأين تبدأ الحدود السياسية – هذا في حال أن مثل هذا المكان وجد أصلا – ذلك المكان الذي نستطيع فيه أن نفرق بين الشخصانية والسياسة. إن النوع الاجتماعي والجنسانية هما جزءا لا يتجزأ من مجتمعنا وسياساتنا وثقافتنا. ومن الصعب جدا تجريد كل ذلك من جميع الجوانب الأخرى مثل الأبعاد الاجتماعية والاقتصادية والطبقة والأبعاد السياسية التي أتطرق إليها في الرواية، مثل الحقوق وحرية التعبير. هذه أنظمة مترابطة ومتداخلة سويا، وهذه الرواية تحاول استكشاف ذلك.

 

لماذا تعتقد أن أماكن مثل غوابا، الحانة في روايتك، هي أماكن مهمة؟
عندما أتذكر كيف كنت أعيش في الشرق الأوسط، حيث كنت أقيم مع عائلتي وحقا لم يكن لدي مساحتي الخاصة في المنزل. ففي المنزل ومع العائلة كنا مشغولين بأداء دور “الابن الجيد” أو “الابنة الجيدة”. أما في الحانات فبإمكانك قول ما تريد. وذلك لأن الحانات والمقاهي أصبحت أماكن مهمة جدا للشباب للقاء والحديث. أيضا من تجربتي الشخصية في العمل في العديد من البلدان المختلفة في الشرق الأوسط، رأيت هذا النمط يتكرر. حتى في أماكن مثل اليمن، هناك مقاهي يمكن للرجال والنساء اللقاء فيها. وهذه المقاهي كانت المكان الوحيد بالنسبة لهؤلاء الرجال والنساء للقاء في الأماكن العامة. وهذه المقاهي شبيهة بتلك الأماكن الهامة التي تسمح للناس مناقشة السياسة والثقافة والقضايا الاجتماعية بطريقة تختلف عن مناقشة نفس المواضيع في أماكن أخرى.

عندما يتعلق الأمر بغوابا على وجه التحديد، أنا لا أعتقد أن هذا الشيء يقتصر على الشرق الأوسط، ففي جميع أنحاء العالم عادة ما تكون الأماكن والحانات الخاصة بالأحرار جنسيا أو بالكويريين/ات أماكن فائقة الأهمية وتبقى مهمة لأن الحقيقة المحزنة هي أن معظم الأماكن بالنسبة لنا خطرة. حتى عندما كنت أمشي في إحدى الشوارع في لندن كنت أفكر مرتين قبل أن أمسك بيد صديقي.

 

لماذا تعتقد أن المساحات الآمنة محدودة في كل مكان، خاصة في الشرق الأوسط؟ لماذا هي تحت التهديد وبحاجة إلى السرية؟
لأنها تشكل تهديدا للوضع الراهن. ولأنه يوجد الآن عودة إلى الاستبداد في جميع أنحاء المنطقة والخطاب الذي يقول “لا يوجد طريق ثالث”. فلا يوجد سوى داعش أو ديكتاتورية علمانية. وأما الحلول لطريق ثالثة فجميعها تعتبر تهديدا. أما لماذا هذه المساحات الكويرية الآمنة محدودة فهذا الأمر متعلق بالطبقة الاجتماعية. هناك تفاوت متزايد في الشرق الأوسط، والكثير من الأماكن لا يمكن الوصول إليها من قبل الكثيرين. فإذا ما نظرت إلى مدن مثل بيروت وعمان، فإنك لن تجد نقصا في المقاهي والبارات مثلما هو الحال في غوابا. فأنت تدفع عشرون دينارا ثمنا لزجاجة بيرة واحدة لذلك ليس من الممكن لأي كان الذهاب إلى هناك! بالطبع أنا أبالغ في الرواية، ولكن الوضع لا يختلف كثيرا عن عمان الآن حيث ثمن البيرة ثمانية دنانير في الكثير من الأماكن. أعتقد أنه من المهم عند الحديث عن هذه الأماكن وقضايا إمكانية الوصول وأن هذه الأماكن تتعرض للتهديد ربط حديثنا بمجموعة من الأسباب السياسية والاقتصادية.

 

هل ترى أي مشروع يعمل على سد الفجوة بين أن بكون المرء عربيا ومثلي الجنس وفقيرا في آن معا؟
أنا لا أعرف أي منها تحديدا ولكن أنا متأكد من وجود مثل هذه المشاريع. وأعتقد أن هناك نقاشا أوسع نطاقا يحدث ونحن بحاجة إلى الحديث عن كيفية تعريف الناس بأنفسهم وما يعنيه ذلك للوصول إلى أماكن معينة. على سبيل المثال، قد يكون الكثير من اللاجئين الذين غادروا سوريا جزءا من مجتمع المثليين وهذا بالفعل ما وجده الكثير من العاملين في المنظمات غير الحكومية والكثير من الناس الذين يعملون على هذه القضايا. فمثلا في إحدى الحالات عبر أحد اللاجئين الرجال عن حبه لرجل آخر بشكل صريح وعن طبيعة عيشهما سوية لفترة طويلة، إلا أنه لم يصرح أبدا بأنه مثلي الجنس.
وأعتقد أن هناك بعض النشطاء الذين هم يعملون على أرض الواقع وهم يحاولون نشر وتوضيح فكرة كيف يمكننا التعبير عن ماهية مجتمعنا وكيف له أن يعرف نفسه. أنا أرى أن هؤلاء الناشطون هم جزء من مجتمعنا، أليس كذلك؟ بالطبع الناس تخاطب مجتمعنا بمصطلح جماعة الميم، وهو في الحقيقة المصطلح المرادف باللغة العربية لما يعرف باللغة الإنجليزية ب”LGBTQ”، إلا أنه يجب الإشارة إلى الأشخاص الذين يتحدثون حول الأفراد غير نمطي الجنسانية والنوع الاجتماعي – هذا النوع من اللغة.

بالإضافة إلى أن تلك المشاريع التي تعطي مساحة وصوتا إلى المثلية الجنسية العربية الأقل حظا ربما لا يتم الكشف عنها بسهولة أو فهمها من قبل العين الأكاديمية الأكثر تميزا.
وإنني على يقين من وجودها في كل مكان، وليس في الشرق الأوسط فحسب. فإذا ما نظرنا على سبيل المثال إلى المثليين الجنسيين من أصحاب البشرة السمراء والذين ينتمون للطبقة العاملة في الولايات المتحدة الأمريكية – على الرغم من أنهم لا يصفون أنفسهم بالطبقة العاملة كما هو معروف عنهم – ولكن ما يهم هو أن طريقة تعريفهم لأنفسهم ومجتمعهم تبدو مختلفة تماما عن طريقة شخص مثلي وأبيض البشرة ممن يتمتعون بامتيازات ويعيشون في مانهاتهن مثلا. هناك تنوع كبير في كيفية تعبير الناس عن جنسهم وعدم التوافق الجنسي لديهم. وأعتقد أننا يجب أن يكون على ما يرام مع ذلك، أليس كذلك؟ نحن مجتمع كبير جدا. نحن لسنا جميعا متشابهون، ولا ينبغي لنا أن نحاول أن نكون كذلك. وهذا يعود بنا إلى مسألة التمثيل، أليس كذلك؟ على سبيل المثال، ليس من الممكن أن غوابا ستمثل هذا المجتمع بأكمله. فغوابا تمثل إحدى جوانب هذا المجتمع وهذا هو كل ما يمكنها القيام به حقا.

“من وجهة نظري الشخصية، يمكن لأي منا إثارة نقاش مع شخص عربي ممن يعانون رهاب المثلية الجنسية وأن تخبره بأن أبو نواس كان مثليا وكذلك رومي – ولكن هذا لا يهم، بل ما يهمني هو أن يعرف هذا الشخص أنه إذا ما التفت حول نفسه فسيجد أن قريبه أو ابن عمه مثلي الجنس وأن ابنته مغيرة الجنس.”

 

تصوير سامي حداد

ما هي بعض المناسبات التي رفضت فيها الهوية العربية الكويرية؟
بعد الهجوم في أورلاندو العام الماضي، عملت عددا لا بأس به من المقابلات، أولا وقبل كل شيء، كان لديهم إصرار على محاورتي كمسلم فقط. كانوا يواصلون سؤالي “كيف أشعر أن أكون مسلم ومثلي الجنس؟” وكنت أجاوبهم بدوري، “أولا وقبل كل شيء، أنا لست حتى مسلم”. لكنهم لم يرغبوا في سماع ذلك. لم يكونوا يريدون أن يفهموا أنك يمكن أن تكون عربيا وغير مسلما ولكن حتى عندما يفهمون ذلك، سيبدؤون فجأة في طرح “كيف يمكنك أن تكون عربيا ومثلي الجنس” كما لو كانوا يطلبون مني حل شيء لا يمكن تفسيره. كما لو كانوا يريدون معرفة كيف يمكن أن تكون في حالة سكر ومتزنا في نفس الوقت! إنهم يتحدثون عن كلا الأمرين كما لو كانا اثنين من الأمور التي لا يمكن أن تتوافق. ومن الغريب أن نسأل هذا السؤال، كما لو كان شخص ما يسأل: “كيف يمكنك حتى أن تكون موجودا؟!”، أو مثلا “كيف يمكن أن يكون هذا القلم أزرق اللون وما زال موجودا في نفس الوقت؟”. عندما تواجه أشخاصا من هذا النوع في كلا الجانبين يرددون هذا التساؤل، يصبح الأمر مزعجا لعقلك.

هذا الرفض والاستنكار يمكن أن يقودك إلى أسئلة مثل “ماذا يعني أن تكون عربيا؟” وهذه هي حقا من الأسئلة الصعبة التي يمكن أن نوجهها لأنفسنا. فنحن نمر حاليا في منطقتنا بأزمة هوية كبيرة تتجاوز الجنسانية، أليس كذلك؟ ماذا يعني أن تكون عربيا؟ هل أنت عربي أم مسلم؟ هل أنت أردني أم لبناني؟ فهناك قلق كبير حول الهوية التي يحتدم الصراع حولها بشكل مباشر وعنيف في أماكن مثل سوريا واليمن ومصر بطرق مختلفة.

 

هل ترغب في توضيح الطرق المختلفة التي يلعبها القلق على الهوية؟
من خلال الحرب الأهلية في سوريا، والحرب في العراق، والثورات العربية بدأ يتكشف لنا أنه الهوية العربية هي محل نزاع كبير. فليس كل من يقطن في منطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا هم من العرب. فلديك الأكراد والتركمان والأرمن والبربر، وهذا يزيد الأمور تعقيدا. ثم لديك الناس الذين يقولون “لا، نحن مسلمون بالدرجة الأولى ثم نحن عرب” ولكن أيضا هذه المقولة قابلة للنقاش! فلديك الأقليات الدينية من غير المسلمين. أعتقد أن هذا هو ما أعنيه بالقلق على الهوية. نحن نسأل أنفسنا من نحن وماذا يعني ذلك.

 

هل تريد أن تسأل نفسك من أين تأتي هذه الهويات؟ هل هي نتيجة العمليات الاجتماعية والاقتصادية أم هل هناك جانب ثقافي متعلق بتلك الهويات؟
يمكننا أن نخوض في حديثنا هذا في تاريخ العالم ونتحدث حول انهيار الاتحاد السوفيتي ونهاية إيديولوجيات جلبت عصر الهويات المختلفة عرقيا ودينيا. ما أعنيه هنا هو أن الحال الآن يتشابه مع الحال السابق، أليس كذلك؟ وأعتقد أن أزمة الهوية هذه تتجلى بعنف شديد في الشرق الأوسط، ولكن حتى في الولايات المتحدة وأوروبا لدينا هذه الفكرة وهي “من نحن؟”، والتي هي في جزء منها نتيجة للعولمة وجزء آخر يعود لليبرالية الجديدة. بالنسبة لي، فلقد جئت من خلفية متنوعة جدا، لذلك كنت دائم التساؤل حول المكان الذي جئت منه. في هذه المرحلة أنا متعب قليلا من هذا السؤال.

 

ألم تجب على هذا السؤال منذ زمن بعيد حين أخبرت نفسك أن “بيتك هو المكان الذي تجد فيه خدمة واي فاي جيدة وقهوة جيدة”؟
نعم ممكن. (ضحك) ربما.

 

بين قوسين: هي الأمور التي تأتي مع طبقة اجتماعية معينة. 
نعم، أعتقد أن ذلك هو الأمر بعينه. حسنا، ما أعنيه هو أن مسألة المنزل هي مسألة معقدة جدا بالنسبة لي، مثل شخص عاش واستقر في لندن لأكثر من عشر سنوات إلا أنه لم يشعر يوما أنه في موطنه أو منزله. لقد أصبحت فكرة المنزل بالنسبة لي فكرة مشتتة ومفتتة جدا. فلقد كنت أشعر بأني في حالة ثابتة من التدفق. حاليا أنا أكتب عن هذا الموضوع أيضا، لذلك أفكاري حول هذا العمل لا زالت قيد الإنشاء.


قفزة أخيرة تعود بنا إلى ظهور الهويات الإثنية – الدينية وما كان قبل ذلك: هل تؤمن بهذا العصر الذهبي للكوير العربي قبل الاستعمار الأوروبي، عندما كان أبو نواس يكتب شعر الحب المثلي وكان مسموحا للهويات الجنسية أن تكون أكثر ليونة ومرونة- كما أثارها جوزيف مسعد في بعض الأحيان، على سبيل المثال؟
لا أعلم، أشعر بأنني في هذه الحال أميل لأن أطرح تساؤلا وهو لماذا نحن مهووسون جدا بالنظر إلى الماضي لتبرير أعمالنا في الوقت الحاضر. ربما أنا مجرد شخص معاصر وعملي في نفس الوقت. أصبح نقديا بعض الشيء حيال إثارة الماضي بهذا الكم، حتى لو تم ذلك ل “أسباب تقدمية”، ولإظهار أن المثلية لديها تقليد طويل وغني في الشرق الأوسط. والحقيقة هي أن المجتمع الكويرى في هذه اللحظة برمته يعاني – وخاصة عندما يتعلق الأمر بمجتمع مغيرو ومغيرات الجنس – فهم بالفعل يعانون. وبالتالي فأنا أشعر أن محاولة النظر للماضي الأفضل بالنسبة للمثليين العرب قبل خمسمائة سنة، هو حقا ليس بالأمر المفيد. فلقد حدث الكثير في خمسمائة سنة! بالتأكيد، يمكننا النظر إلى التاريخ للحصول على الإلهام، ولكن الأجوبة لمشاكلنا الحالية ليست في التاريخ قبل خمسمائة سنة. إذن بإمكان التاريخ أن يمنحنا القليل من الإلهام، ولكن علينا أن نضع أنفسنا في الوقت الحاضر وأن نتعامل مع مشاكل الحاضر.

من وجهة نظري الشخصية، يمكن لأي منا إثارة نقاش مع شخص عربي ممن يعانون رهاب المثلية الجنسية وأن تخبره بأن أبو نواس كان مثليا وكذلك رومي – ولكن هذا لا يهم، بل ما يهمني هو أن يعرف هذا الشخص أنه إذا ما التفت حول نفسه فسيجد أن قريبه أو ابن عمه مثلي الجنس وأن ابنته عابرة النوع الاجتماعي . بالنسبة لي أعتقد أن هذا هو المكان الذي يحدث فيه التغيير الحقيقي، عندما نبدأ التعامل مع الواقع. إذا كان الناس يرغبون في اكتساب الإحساس بصدق هذه القضية من خلال التعرف على شاعر مثلي الجنس عاش في الشرق الأوسط منذ ألف عام، فهذا أمر عظيم. ولكن لماذا يتفاجئون أن هناك مثلية في الشرق الأوسط منذ ألف سنة مضت؟ أو أن هناك مثلية في الشرق الأوسط قبل مائة عام، أو حتى قبل خمس دقائق. لطالما كانت المثلية الجنسية موجودة في الشرق الأوسط. أشعر أحيانا أن الطريقة الوحيدة للفوز بهذا الجدل حول “المثلية في الشرق الأوسط – هل هي أصيلة أم دخيلة على المنطقة؟” هو أن نعيش فقط، ونكون كما نحن، وبهذا نبدأ ببطء خلق ثقافة حول هذا الموضوع. وهذا ما يحدث فعلا، وهذا هو السبب في أن الأمر برمته مثير.

 

 

English below ? تناقش رواية غوابا الأولى، والتي نشرت للمرة الأولى في عام 2016 ولاقت انتقادات لاذعة، تناقش تجربة شاب مثلي الجنس في إحدى العواصم العربية في فترة ما بعد الربيع العربي. يتحدث الكاتب سليم حداد إلى مجلة ماي كالي حول الهوية، (الدور الاجتماعي او التعبير الجندري)، والجنسانية الرابط في معلومات الصفحة ☝ فوق. #ماي_كالي_بالعربي تصوير سامي حداد The critically acclaimed, debut novel ‘Guapa’, first published in 2016, discusses the experiences of a gay young man in an Arab capital after the Arab Spring. Author Saleem Haddad speaks to My.Kali about identity, gender expression, and sexuality. Find it on our English site.

A post shared by My.Kali Magazine مجلة ماي كالي (@mykali) on

%d مدونون معجبون بهذه: