Article in English here

 

بقلم مجد كارم
تصوير شكري لورنس – فلسطين

الشخصيات:
ريم ك.
مارينيه ي.
شكري لورنس

 

في 26 حزيران لعام 2015، حدث ما ضجّ العالم به. في هذا اليوم تحديدًا شرّعت الولايات المتحدة الأمريكية زواج المثليين، تبع ذلك في فلسطين طلاء جدار الفصل العنصري بألوان قوس قزح التي تعبّر عن المثلية الجنسية. ضاجت وسائل الإعلام الفلسطينية ومواقع التواصل الاجتماعي بهذا الحدث، فنزل عدد من الشبان الفلسطينيين وعملوا على طلاء لوحة قوس قزح باللون الأبيض . ارتباط المحلي بالكوني في المثالين السابقين الذكر واضح جدًا، ويمكن التأكيد عليه التوقيت الزمني وردة الفعل على الأرض الفلسطينية وكذلك في فضاء مواقع التواصل الاجتماعي. حملت ردة الفعل بطلاء الجدار بالأبيض عنفًا قد يأُطر لمرحلة جديدة للعلاقات المجتمعية الفلسطينية المتعلقة في هذا السياق أو في سياقات أخرى مشابهة. لذا من المجدي طرح هكذا موضوع والبحث في افتراضات سببية لكون المثلية الجنسية أزعجت الشارع الفلسطيني بشكل ردة فعل جماعي لا فردي، وعلى الصعيد الحيز العام لا الخاص كحدث استثنائي.

ما الافتراضات التي يمكن شملها ومناقشتها في كون المثلية “مخيفة” للفلسطينيين؟ على اعتبار أن المثلية تعتبر انعكاس لأفكار كولونيالية، وأنها كونها نتاج أفكار ثقافة غربية، بالإضافة لكونها متنافية مع الأديان الكائنة في فلسطين، فهل يمكن اعتبار هذه الافتراضات سببًا لهذا الخوف؟ هذه الافتراضات بالتحديد تتناولها المقالة وتناقشها في سياق محلي فلسطيني.
بدايةً، لابدّ للإشارة لاختزال حقوق المثليات والمثليين في الولايات المتحدة في تشريع الزواج المثلي كونه يأتي في سياق اضطهاد الدولة المشرعة نفسها للمثليات والمثليين المهاجرين إليها. وبما أن الولايات المتحدة تمثل امتدادًا أصيلًا لفكرة الكولونيالية المتأطرة بمشروعها الاستعماري ضد الرجل الأسود. وبهذا السياق الاستعماري يمكن شمل السياسة الإسرائيلية التي تنتهج سياسة الغسيل الوردي كمنطق استعماري يعمل على تسويقها وترويجها بدولة متسامحة مع المثلية والمثليين لتحسن صورتها من دولة استعمارية إلى دولة ليبرالية ديمقراطية منفتحة في مقابل أن ثقافة رهاب المثلية متأصلة في الثقافة الاجتماعية والدينية الفلسطينية، وهذا مما يعمل الصراع في السياق الاستعماري لا الثقافي. وبناء على ذلك، فإن الحديث عن أنها فكرة كولونيالة كدافع لعدم تقبل المثلية الجنسية تعّمق نظرة المستعمِر عن المستعمَر.

فإسرائيل مثلًا لا تروج للمثلية في الأواسط الفلسطينية بل لا تفرق في سياستها العنصرية تجاه الهويات الجنسانية والجندرية المختلفة إلا في سياق يوظّف استغلال الإنسان والأرض. بل يتعدى الموضوع ذلك لإسقاط المثليين اجتماعيًا في أواسطهم الاجتماعية لتبدأ مرحلة وصفهم بالعمالة والعمل مع مخابرات دولة الاستعمار والاحتلال الإسرائيلي. وبهذا فإن التطرق للمثلية كجريمة اجتماعية يهدد البناء والنسيج الاجتماعي.كما أن لافتراضية أن المثلية الجنسية غريبة عن الثقافة الفلسطينية، وأنها تكريس لثقافة غربية لتشويه أخلاق وقيم هذا المجتمع وقع في المجتمع الفلسطيني، فما أثاره الشيخ كمال الخطيب (نائب رئيس الشق الشمالي للحركة الإسلامية في الأراضي المحتلة لعام 1948) من زوبعة صعدت هجمة العنف اللفظي على الحركة المثلية في فلسطين، كما أنها أخذت شكلًا آخر هذه المرة من التعنيف والمتمثل في هذه الحالة بالسياق السياسي الديني؛ وبهذا يتعدى استخدام ألفاظ العنف يعمل على إقصاء كل ما هو مختلف كونه يتنافى مع ثقافة المجتمع الفلسطيني التي تميل إلى التدين. ويثبت ذلك ومما يعمل على ربط المثلية بكل موضوع جندري مختلف إطلاق النار على العداءة حنين راضي في مدينة الطيرة والتي تعرف أيضًا بالمحافظة. وهذا ما يزيد من فرصة ربط الجهود النضالية بجهود لا تقوم على التصنيف الجندري بل يخترق هذا التصنيف إلى كل الفئات التي يقع عليها ظلم اجتماعي على خلفية استخدام القوة أو السلطة الذكورية من جهة، والاستعمارية بشكل عام وخاص في آن من جهة أخرى.

واعتمادًا على ما سبق، لا يمكن فصل ما هو مجتمعي ثقافي عما هو ديني وإلى حد ما شعبي. وبهذا يمكن ربط ما سبق بما طرحه جوزيف مسعد بأن “… الهويات الجنسانية الغربية وجميع الحركات والمنظمات التي تنادي بحقوق المثليين تفرض هوية “المثلي” على العديد من الرجال الذين قد لا يعرفون أنفسهم من خلال هذه الهوية…” . ما يؤول إليه مسعد في هذا يرتبط تمامًا وبصلة مباشرة بدفاعه عن فرضية تسعى لأن تقول بأن المثلية كولونيالية، بل وبأنها ثقافة خطيرة إلى حد ما! وكون المؤسسات والمنظمات التي تدافع عن حقوق المثليين والفلسطينية منها تسعى لأن تدخل تعريفات هوياتية جنسانية جديدة على بنية المجتمع العربي والفلسطيني بشكل خاص. لا يمكن اعتبار وجهة النظر هذه بالذات مناسبة كونها بشكل أولي لا تقوم على دراسات وأبحاث معرفية -إلى حدٍ ما- أو علمية. وبشكلٍ ثانوي؛ فإن الفصل بين فلسطين و/أو العرب والعالم الغربي بشكل عام لا يمكن اعتباره في هذا المجال. كون فلسطين بالذات تقبع تحت سلطة استعمارية وتمارس عليها ثقافة استعمارية مباشرة من المستعمِر، لذا فهي غير مستقلة بكينونتها الاجتماعية وهويتها الجنسانية من طرف إن افترضنا أنه يرمي بفرضية صحيحة. وكون المجتمع الفلسطيني مهما تعددت هوياته الجنسانية ومسمياتها وأحوال ممارستها. وعلى ما اعتقد أن مسعد يربط كل ذلك بثقافة الممارسات الجنسية التي سادت فترات تاريخية سابقة، ولعله لم يفكر أبدًا بفكرة بيت قصيدها في تطور شكل الممارسات الجنسية والتعبير الجنساني عن الميول والرغبات حسب تغير سمات المجتمع وأحواله وتغيره على الصعيد الكوني والمحلي معًا. وما يعتبر “مثليّ “حسب تعبيره بالتعريف مهما اختلفت تسميته أو تصنيفه أو حتى توظيفه معرفيًا وواقعيًا لا يمكن نكران أن هناك هويات جنسانية مختلفة، وهي التي بشكل دقيق يمارس عليها عنف مجتمعي.

يمين: ريم ترتدي من tRASHY CLOTHING. الشمال: مارينيه ترتدي .W.I.A

ومن جانب ملفت للنظر، تنوعت ردود الفعل المحلاتية ولفت الانتباه التناقض في ردة الفعل، فمظاهر الإعجاب عندما تعلق الموضوع بالسياق العالمي، والغضب والشجب عندما أصبَح أقرب إلى السياق المحلي، وظهر ذلك جللًا من خلال التناقض الذي ظهر من خلال التناقضات في تغيير صور الصفحات الشخصية على موقع فيسبوك والتي تحمل عبارة “الحب ينتصر – LOVE WINS”، وشجب وشتم من قام بتلوين جدار الفصل العنصري بألوان قوس قزح التي تُنسب إلى الحركة المثلية العالمية وشجب الفعل نفسه كونه حسب آرائهم لا تنتمي للثقافة الفلسطينية. ويمكن تفسير ذلك بنظرة المستعمَر إلى المستعمِر والتي ينتابها نظرة الشهوة والإعجاب بامتلاك حياته وأن يأخُذ مكانه، كون المستعمَر يسكن مناطق ذات أخلاق رديئة، مكان سيء السمعة، مكان جائع وفقير، بل يفتقر أيضًا للقيم السامية والأخلاقية الراقية وعلى النقيض من أماكن مستعمِره. وعلى ذلك؛ يمكن البناء بأن كل ما يتعلق بالمثلية مقبول طالما بقي بعيدًا عن المجتمع الفلسطيني، إلا أن اكتشاف أنه أيضًا جزء منها وقريب جدًا منها يجعل أفراد هذا المجتمع يتناقضون بردود أفعالهم.

مما يزيد الجدل في الموضوع كون انتقال ردود الأفعال من دائرة الحيز الخاص إلى أرض الحيز العام إلى وردود الفعل التي كانت تبقى حبيسة المنازل انتقلت لأن ترتبط بتحركات عالمية خاصة بموضوع المثلية، حيث يشكل حاجز قلنديا حيث طلاء جدار الفصل العنصري بأهمية الصراع الاستعماري من جهة وتقييد حرية التعبير الفنية أولًا، والجندرية ثانيًا. كما محاولة الفنان تبرير عمله وتأويله لمحاولة استرضاء المجتمع تبرز أمرين اثنين: أولها يتعلق بالشعور بالتهديد وضرورة التبرير والتعبير عن العمل الفني، وثانيهما التأثير على الحركة الفنية في فلسطين مستقبلًا كونها ترتبط أيضًا بما هو مجتمعي. وهنا ينتقل دور القامع إلى المستعمَر والمستعمِر على الفئة الأكثر ضعفًا في هذا السياق المجتمعي. كما تبرز الإشارة لانتقال ردود الأفعال لسياق الصحف الفلسطينية ومواقع الأخبار الفلسطينية كونها تشير مستقبلًا لتهديد فعلي في التعبير عن الهوية الفنية أو الجندرية.

وبما أن الجنسي والجنساني هما من المحرمات والخطوط الحمراء للثقافة العربية، وخصوصًا إن تعلق الموضوع المطروح بالأنثى أو كل ما يقترب بالسلم الدرجاتي لها، بفرضية أن المثلية تميل للأنوثة، فهو منبوذ ومرفوض. لذا فالخوف من المثلية في فلسطين مرتبط أيضًا بالنسوية أو كل ما يقربها كأنوثة. وهذا الخوف يمكنني ربطه بالمعرفة الأبوية التسلطية من جهة. وغياب الوعي الاجتماعي كجزء من العالم بالأزمة الذكورية في تحدي تعدد الهويات الجندرية والتي وضعت حدًا للتقسيم القائم على اثنين. وكونهما (النسوية، والمثلية) في نفس الكفة، فحتمية النضال للحصول على أبعد ما هو حقوقي واجب كنضال لا يدافع فقط على هوية جنسية بعينها بقدر ما يدافع عن ظلم اجتماعي عالمي لا محلي. وبناء على ذلك، وبافتراض أسباب الخوف لدى الفلسطينيين من المثلية يصب في صميم الثقافة الأبوية والخوف من أي تغيير بها ويهدد سلطتها ولا يبعدها عن أي سلطات أخرى أبوية حول العالم. هذا لا يعني أن فلسطين استثناء بل يعمّق الصراع بين طبقات لعلها ستأخذ شكلًا آخر في المستقبل، ولعله سيكون قائمًا على الهويات الجنسية لا الطبقات الاجتماعية أو الصراعات الاقتصادية أو الاستعمارية فقط.

%d مدونون معجبون بهذه: