English version here

 

تصوير: عمر شاهين
الشخصيات: ميرامار و نور
تلبيس و تنسيق: فادي زعمط
الإخراج الإبداعي: خالد عبد الهادي

بقلم: رولى الصغير

 

بداية، فلنتّفق أنّ الكتابة فعل اختزال لأنّها تتمحور على تصوير نماذج وتمثيل واقع أو رغبات واحتياجات فرديّة ومجتمعيّة، بواسطة لغويّة، ومن المضحك المبكي أنّني سأفعل هذا تحديدا في ما يلي من المداخلة.

الكتابة الأكاديميّة والعلميّة تصوّر لنا “المعرفة الجديرة بأن تُعرف” فتخبرنا مثلا أنّ التّاريخ المكتوب يتفوّق على الشّفويّ، وأنّ الإحصاءات أثمن من سرديّة واحدة يتيمة لفهم واقع معيّن. نظرا لأنّنا نعيش ضمن نظام أبويّ تعتمد سلطته الأساسيّة على قمع النّساء ضمن فئات مهمّشة أخرى، ونظرا لارتكاز سلطة الرّجال ضمن هذا النّظام على قدرتهم في التّحكّم في المجالين الخاصّ والعامّ، تكون “المعرفة الجديرة بأن تُعرف” ثمرة النّظام الرأسمالي الذّكوري والنّخب الأبويّة المسيطرة. ينسب هذا النّظام الأبويّ سمات معيّنة كالحميميّة والعاطفة إلى المجال الخاصّ ويسِمُها بالأنثويّة، بينما ينسب صفات يعتبرها رجاليّة للحيّز العامّ، ومنها صفات العقلانيّة والموضوعيّة. وتتوسّع الثّنائيّة إلى الكتابة فنعتبر بعض المنتجات أكاديميّة وعلميّة خالقة للأسس المعرفيّة، وأخرى خالية منها.

لذلك يجب علينا أن نسأل أنفسنا كنسويّات/ين، من خلق هذه المعرفة وقام بالبحث؟ ماهي خلفيّات الأشخاص أو المؤسّسات التّي جعلت هذه المعرفة سائدة؟ من هو جمهورها؟ إذ بشكل عامّ، إنّما نحن نعرف الشّيء لسماح الأبويّة لنا بهذه المعرفة، لأنّ الأبويّة تؤدّي دور الرّقيب على المنتوج المعرفيّ النّهائي الذّي نتحصّل عليه. مثالا عن ذلك، نحن ما قرأنا الكتاب الفلانيّ إلّا بعد مروره على أجهزة الرّقابة وتصفيته من الشّوائب الضّارة بالوضع القائم، ومن خلال منتوج تاريخيّ دوّنه الرّجال، والرّجال البيض المنتصرون تحديدا. لذلك، يجب علينا طرح هذه الأسئلة ضمن أخرى استنادا إلى التّجربة النّسويّة القائلة بأنّ لا وجود للموضوعيّ، وتجب مناقشة هذه الأعمال هيكلا ومضمونا، والأكثر أهمّية، تجب مناقشتها عن طريق القيم التّي تنشرها.

 

التّمثيل الأوّل أو أسطورة “يقول العلماء”:
يقوم هذا التّمثيل على مسلّمات ضمنيّة أهمّها أنّ الكاتب/ة تتّسم بالخبرة، وأنّ المكتوب يتّسم بالموضوعيّة. يـ/تكون الكاتب/ة خبيرا/ة، ويـ/تنزع عن موضوع كتابته/ا الوكالة الفكريّة عن نفسه ولا يُـ/تثمّن التّجربة المعيشة. لا تكتفي أسطورة الخبرة بتحصين الكاتب من النّقد، بل تتجاوز ذلك إلى نشر قيم غير تقاطعيّة، قائلة بإمكان معالجة مسألة ما فكريّا عن طريق مجال تخصّص واحد. مثلا، أنّ على خبراء مجال الدّفاع أن يُعالجوا مسألة “الارهاب” دون خبراء الاقتصاد أو التّعليم، ممّا يجعل “الارهاب” مسألة أحاديّة الجانب. تُساهم هذه المعرفة إذن في تبرئة قطاعات عدّة بغضّ نظرها عنها. أمّا أسطورة الموضوعيّة، فتستمدّ البعض تاريخها من العلوم الصّحيحة. من أجل حلّ مسألة رياضيّة أو فيزيائيّة مثلا، علينا الانطلاق من مسلّمات كحقائق ثابتة، ككرويّة الأرض، أو وجود الجاذبيّة الأرضية، وهو ما يجعل حلّ هذه المسائل ممكنا. أمّا إذا وضعنا نفس المعايير في العلوم الانسانيّة، أي مسلّمات ما كحقائق ثابتة، موضوعيّة، وغير قابلة للنّقاش، فنحن نضع مجتمعات برمّتها في موقع الخطر. من المسلّمات الضمنيّة الخطيرة مثلا، أنّ هناك شيئا ما ثقافيّا في منطقتنا يخوّل لاستمرار الدكتاتوريّات، وهذا هو موضوع دراسات كثيرة نُشرت قبل إطاحة بعض الانتفاضات في مناطقنا بأنظمة الحكم. كتابة أكاديميّة كهذه تعيد انتاج الاستبداد. ولكي ننتج معرفة بديلة ونسويّة، يشترط الوعي بالفاعليّة المتّصلة بالأوضاع الاجتماعيّة ومتطلّبات الفعل، والوعي بمعوّقاته الدّاخليّة والخارجيّة، والأسباب التّي تحول دونه وامكانيّات التّحرّر والتّحقّق الذّاتي. هذا الوعي النّسوي يستند على إبيستيمولوجيا نسويّة، أي ممارسات تستند إلى المعرفة والتّجربة النّسويّة.

 

التّمثيل الثّاني أو “موضة النّمذجة”:
نموذج المرأة: “حقوق المرأة” مثالا: كلّنا سمعنا عن هذه المرأة لكن لا نعرف من هي، كأنّ النساء يمثّلن مجموعة متماسكة قائمة بذاتها ولديها مجموعة من الرغبات المتطابقة بصرف النّظر عن مواقعهنّ الطبقيّة والعرقيّة وغيرها.. يؤدّي تحليل السّيادة الذّكوريّة كمفهوم موحّد بين الثّقافات إلى خلق مفهوم آخر مختزل ومصمّت وهو “نساء العالم الثّالث” كشيء لا تاريخيّ، و يفترض ذلك أيضا ظلما موحّدا أو تصوّرا لأبويّة يمكن تعميمها عبر الثّقافات.

نموذج الغرب المتقدّم: إعتماد تجارب الغرب كالإطار المرجعيّ والتّجريبيّ الأوّل لا ينفع النّسويّة بشيء، لأنّه يكرّر الخطابات الاستعماريّة ويعيد انتاج أنماط استشراقيّة جديدة. هذا الخطاب الاستشراقي يصيغ النّساء من مناطق الجنوب العالميّ كـ”أخريات” من “الضّحايا” اللّواتي يخضعن لسيطرة “الآخرين” من “المتوحّشين”. النّساء من العالم الثالث يصوّرن كضحايا للنّظام الأسري العربي أو ضحايا للشريعة الاسلامية [note]Footnote content goes here[/note]. تفترض هذه الخطابات أنّ نظام الحكم الأوروبي والغربيّ هو النّموذج، مثلما تفترض خطابات نساء الطبقة الوسطى قيمهنّ على أنّها النّموذجيّة أو السليمة. وبذلك يستولي الخطاب الاستشراقيّ على حركات التّحرر في هذه المناطق ويستعمر التعقيدات الجوهرية المميّزة لحيوات هاته النّساء.

ويتمركز الوعي النّسويّ في إدراك الانتماء النّسائي إلى فئة ثانويّة تتعرّض إلى الظّلم المادّي والتّاريخي على أساس مفروض اجتماعيّا، وليس على أساس خاصّيات بيولوجيّة موحّدة بين النّساء. من واجب النّسويّة إذن خلق تحالفات على أساس التّضامن بين النّساء(بكلّ أشكالهنّ وخلفيّاتهنّ)، وتقديم رؤية بديلة للنّظام الاجتماعي وللقيم السّياسيّة. لأنّه على حسب الصّياغة النّسويّة، “المسألة الشّخصيّة هي قضيّة سياسيّة” نظرا لعلاقات القوى المفروضة في المجتمع، ولا وجود لما يسمّى بالموضوعيّة، أي أنّ الموضوعيّة محض أسطورة أبويّة علينا تجاوزها في الإنتاج المعرفيّ.

 

التّمثيل الثالث: التّقييم الكميّ والليبيرالي لمسائل الظّلم:
زيادة عدد النّساء في مجالس الإدارة، هو نوع ليبراليّ من النّسويّة، تدعو له عموما نساء من الطّبقة الوسطى والبرجوازيّة، لأهداف وصوليّة وتمثيليّة، قائمة على مبدأ الاستحواذ على جزء من الغنائم في ظلّ النّظام الجائر الموجود. وهاته النّساء في ذلك شبيهات بالمدافعات الرّياديّات عن حقوق المرأة، اللّواتي اختزلن المرأة في تلك التّي تشبههنّ،أي البيضاء، والأوروبيّة، وغير الحاملة لإصابة جسديّة، وغيريّة الميل الجنسيّ، والمطابقة للجندر، ومن الطبقتين الوسطى والعليا.
فيما تبقّى من المقال، سأحاول إيضاح ما الذّي نقصده إذن بالعدالة الجندريّة، كنسويّات/ين. ما يتمّ نسيه، عمدا وقصدا في كلّ هذه الدّعاية والبرامج التنمويّة، هو أنّ هذه المساواة قد لا تتعدّى كونها مساواة تمثيليّة. كلّ هذا يعبّر عن هوس عامّ بنتائج رقميّة، بدل العمل على إنتاج قيم سياسيّة جديدة. لا يهمّنا إن كان قاتلنا، مشرّدنا، ومعذّبنا امرأة أو رجلا أو من جندر غير معياري، مادام الحال واحدا، مادمنا مقتولين/ات، مشرّدين/ات، ومعذّبين/ات. في الواقع، ما نلاحظه هو استيلاء هياكل ومنظّمات قمعيّة على الخطاب النّسوي وانتاج المعرفة، أي أنّ هذه المؤسّسات تقوم بتشويه حركة ذات بعد راديكاليّ، بجعلها حملا وديعا، يمتثل للتّصور الامبريالي للعالم، ولمنظومة قيميّة تصنعها السّلطة) ديبورد 1975(. هذا يساهم في خطاب التّتفيه والتّسفيه للنّسويّة، التّي تصبح نكتة على لسان المتضرّرات من القمع والخطاب الفوقيّ الاستحقاقيّ. تصير المفردة هيكلا فارغا وشُعبويّا، نضيفه كمعيار قياس في مشاريع التّنمية.

عندما نتحدّث عن العدالة الجندريّة، نحن لا نسعى لتوريط النساء في منظومة قمعيّة واستغلاليّة بطبعها. لن يفيد الحركة النسويّة ولا العدالة الإجتماعيّة أن نكثر من النّساء ضمن المؤسّسة الصناعيّة السجنيّة، أو ضمن جيش الاحتلال الإسرائيلي، أو ضمن مؤسّسات الرقابة الفكريّة.. كلّ هذا هو مجرّد تسوية، أي أنّ الأبويّة تقدّم جزءا صغيرا من السلطة إلى امرأة ما تختارها لتناسب منطقها، بغرض الاستدراج أو التّسكيت. وهكذا نرى أنّ المرأة تنتقل إلى تقاطع آمن من حيّز ذكوريّ، بينما تبقي من الطّبقيّة والتّعصّب والتّمييز كما هم. أي أنّها تستحوذ لنفسها على موقع قدم من الكعكة الأبويّة على حساب المجتمعات المهمّشة، بينما تحتفل بعض الكتابات الأكاديميّة بهذا الانتصار.
يجب علينا استعادة الكتابة كفعل سياسي نسويّ، من خلال فضح عنف المنظومة السّياسيّة السائدة على المستويات الطبقية والعنصرية والتمييزيّة على أساس الجندر أو الميل الجنسي أو الحالة الجسديّة أو العمر.. متى ندرك تورّطنا في هذا النّظام، من خلال توكيده عن طريق خلق “معرفة جديرة بأن تعرف”، أو العمل ضمنها، أو إعادة إنتاجها ضمن مطالبنا وحركاتنا الراديكاليّة، ومتى نستعدّ لخسارة الامتيازات التّي يقدّمها لنا هذا النّظام، فقط عندها يمكننا الحديث عن عدالة فعليّة.

%d مدونون معجبون بهذه: