بقلم: سالي طريش*
ترجمة م. ل.
صورة العرض: “بويات” و عارضات من ألبوم “وا وا كومبليكس” للفنانة فاطمة القادري و الفنان خالد الغربلي، 2011؛ سلسلة بورتريهات لزوج كويتيتين تحاكي العلاقة بين الصورة النمطية للمرأة في الإعلام العربي المعاصر، و الصورة الخفية للمثلية العربية.

 

في تلك اللحظة التي حطت فيها قدماي العاصمةَ الكويت، شعرت بالـ”ديجافو”؛ كأني ترعرعتُ هنا، بل كان الأمر كذلك. تلك الحرارة اللاذعة، تلك الشمس التي يشوبها الغبار بدلاً من السُّحب. شعرت و كأني عدت بالزمن إلى طفولتي؛ هذا الشعور الذي اصفه بالانتماء، سرى في عروقي بشكلٍ مفاجئ؛ لقد عدت إلى الخليج! أنا أخيراً في مدينة الكويت.

هذه المرة جئت في مهمة عمل، و لكني سأُجحف في حق المدينة لو قلت بأنها أدهشتني، فقد أدهشتني أكثر مما يمكنني وصفه. لقد قادني الفضول إلى عالم خفي يبرق تحت الظلال، و بريق الكويت تلك بدأ يسطُع لي.

الذي قادني إلى هذا العالم المدهش كان أحد اصدقائي، تامر*؛ الطويل، الوسيم، ذو العينان البريئتان، و الملامح الجذابة. لست أبالغ عندما أقول بأن الناس كانوا يُمعنون النظر إليه. كان هو من يأخذني في أغلب المغامرات التي نخوضها سويةً.

 

النزول إلى حفرة الأرنب

في الليلة الثالثة منذ مجيئي، وصلتني دعوة لحضور ما يُعرف بـ”حفلة عيد ميلاد”؛ بلغني أنه سيأخذني إلى هناك سائقٌ في تمام الساعة التاسعة مساءاً. و كان على موعدِه، قطعنا الشوارع حتى وصلنا إلى منزلٍ صغيرٍ في أحدى أحياء الطبقة الاجتماعية المتوسطة. نزلت من السيارة، سلمت على السائق، و رحل تاركني واقفاً على رصيف هذا البيت الغريب و إذا بالباب يفتحه صديقي الوسيم جداً قائلاً “تعال الحفلة بتبدا بعد شوي!”. كان هذه المرة أكثر رخاوةً مما سبق؛ بل كان على طبيعته. قبّلته على خده و مضيت قدُماً نحو الباب المفتوح، وجدتها شقةُ صغيرة، مريحة، و مؤثثة بعناية. بغضّ النظر عن تلك المقاعد اللامتناسقة، كانت الشقة ذات تصميم مبسّط.

“أعرّفك على كامِل*، اليوم عيد ميلاده”. عرّفني صديقي على شاب خليجي كما يبدو و بشكل قاطع، تبادلنا التحية و شكرته على دعوته لي. خلال تلك الأثناء بدأت الصالة تمتلئ بالمدعوّين، و بدأت كؤوس الخمر تصَب، و مضت الليلة. كانت ليلةً سريالة، ليست كليالي الكويت التي عرفتها.

 

كشف المستور

في الأيام التوالي، اصبحت علاقتي بصديقي تامر أقوى، و صرنا نقضي المزيد و المزيد من الوقت سويّةً. إلى أن جاء اليوم الذي كنت أستشيره فيه لأجل كتابة هذه المقالة، فإذا به يخرج إليّ من خرانته، و إذا بي أخرج إليه من خزانتي. صمتنا قليلاً نستشعر تلك اللحظة المليئة بالود و التقبل، نتبادل الابتسامات البلهاء بين الوهلة و الوهلة، لقد أصبحنا عائلة.

يخبرني بأنه “طبعاً مشتاق للبلد”، “لكن عندي حرية لاكون على حقيقتي أكثر هنا”. لقد عاش هنا مع شريكِه الشاب  الكويتي سنتين. اشتركا المنزل، اشتركا الحياة، لقد كانا سعيدَين. كان يشعر بأن هذا سيكون مستحيلاً في بلده، الأردن. “دايماً في حد يراقبك، و يخبّر العائلة”.

“الموضوع مش خوف”، هكذا رد عندما سألته عن الخروج من الخزنة في عمّان. “الموضوع ببساطه أنه مالو داعي، أنا مو هيك. أنا ما بطلع أخبر أي حد يمشي في الشارع عن هويتي المثلية هنا. لكني حاس أن الكبت أصعب في البلد”.

 

مرحباً بكم في العالم الآخر

أكمل حديثه قائلاً: “سهل إنك ما تلفت النظر هنا، الرجال أقرب إلى بعض جسدياً”، و كان ذلك ملحوظاً بالفعل. فمن الشائع أن ترى الرجال يمسكون أيدي بعض، بل و يظهرون الحميمية بينهم، حتى في الأماكن العامة كالمجمعات التجارية. “و لديهم ’الديوانية’ (و هي صالة منفصلة عن باقي البيت عادةً ما تكون مخصصة كمجلس للضيافة أو الرفاهية) حيث يقضي الرجال أوقاتهم معاً طوال الليل. من السهل أن تقول أنك ذاهب إلى ديوانية صديقي فلان، فهذا ليس أمراً مريبا على الإطلاق.”

الأمر ممكن حتى بين النساء، فقد جرت العادة بأن تكون روابط الصداقة بين الفتيات قوية؛ فِكرة أن “الصديقة المفضلة” هي كتوأم الروح فِكرة مترسخة جداً في جذور هذا المجتمع، لدرجة أنه يسهل على العلاقات العاطفية السريّة أن تمُر تحت هذا الغطاء أكثر من تلك التي في بلاد الشام كالأردن. لا أحد يسألك، ولا أحد تثيره الشكوك كما يبدو. و إذا حصل و أن شك أحدٌ منهم، فلن يتكلموا.

 

النصف الفارغ من الكأس

 

قد يتبادر للقارئ بأن الحياة سهلة خلف الستار، إلا أن هناك وجه آخر لها. “المجتمع يتوقع من الرجال و النساء أن يتزاوجوا، هذا لا جدال فيه”، يقول صديقي. هذه إحدى التحديات التي يواجهها مجتمع الميم في الكويت؛ مما يؤدي إلى المضيّ بحياة منفصلة.

صديق آخر لي، سامي*، له وجهة نظر أخرى: “في آخر المطاف نحن أجانب هنا، لذلك لا يكترث ابناء البلد بما نقوم به نحن”، الأمر نفسه في الأردن، فالهوية الجنسانية للمقيمين ليست مدعاة للاكتراث بالنسبة للمواطنين، القاعدة نفسها في الكويت.

“في النهاية من المتوقع مننا أن نرحل أو نعود من حيث أتينا، نحن لسنا جزء من نسيجهم الاجتماعي، لذلك يعتقدون بأنه لن يؤثر أحد على الآخر”.

 

“اشتاق لاخواتي كل يوم”، يقول تامر* بكل أسى، “لكني لا أستطيع أن أكون على حقيقتي في بلدي، و لا أريد أن أجرح أحد”.

“لقد كبرت هنا”، يقول سامي*، “لكن رغم ذلك لا اشعر بالانتماء. الانتماء هناك في لندن حيث يعيش شريكي، هناك الانتماء”. سامي العازف الموهوب، يتوق إلى اليوم الذي يغادر فيه العالم العربي. “لا أشعر بالتقدير أو الفهم بهذا الخصوص، أريد العودة إلى لندن”.

غادرت الكويت، و عدت إلى البلد، حيث لا أزال “داخل الخزانة” هناك. تلك الرحلة تركت فيني شيء من المرارة. لا أعني بذلك أن المدينة كانت سيئة، بالعكس، كانت مدهشة! انما كانت ملاذاً للكثير ممن أعرفهم و أحبهم؛ الأمر الذي أتلف الصورة نوعاً ما. يبدو أننا مسيّرون نحو قليل من الحريات و الكثير من التضحيات التي يجب أن نتأهب لها.

 

* تم تبديل اسماء الأشخاص

%d مدونون معجبون بهذه: