بقلم: سلمى الديب
تحرير مهى محمد
تدقيق يزن مخامرة


تصوير: عمر شاع
الشخصيات المصورة: جود و مار
اخراج: خالد عبد الهادي
هذا الملف بالشراكة بين ماي كالي وموقع جيم – Jeem.me

 

في بيئة ريفية وجدت نفسي محاطة بالخضرة والسماء والنيل من كل جهة، يحيط بي البراح الذي يغريني بأن أفعل ما شئت، أو ذلك الذي كنت أظنه. عائلتي أبي وأمي من أعيان المدينة الريفية، أنا الحفيدة الكبرى لعائلة أبي وعائلة أمي أيضاً، يحمل ذلك في ظاهره امتيازات عدة، أحدها أن جميع متطلباتي مجابة، خصوصاً وأنني متفوقة دراسياً.

في سن المراهقة بدأت جدتي في ممارسة سلطتها علي، هي في عمر الخمسين وأنا في العاشرة، منعتني من ارتداء الفساتين التي تكشف عن ذراعيّ، ومن ثم تيشيرتات النصف كم، ثم أجبرتني على ارتداء غطاء الرأس في الحادية عشرة. لا أعلم لماذا بدأت جدتي بتحريم جسدي تدريجياً؟ هي فرقت بين النصف الأول من  ذراعي من مفصل الكتف وحتى مفصل الكوع، أظن أنها تعتقد أن “الشابونيس” -كما تسميه هي- أكثر حرمانية من النصف كم.

جدتي هي من حرمت جسدي كله، جدتي نفسها التي تظهر في صور خطبتها بفستان شابونيس فوق الركبة، هي نفسها التي قالت لي أن شرف العائلة تلوث لأني خلعت غطاء الرأس التي فرضته هي علي دون أي اعتبار لرغبتي في ارتدائه من عدمها.

لقد كلفني صراعي مع جدتي الكثير، فلم يقتصر الأمر فقط على مشاجراتي معها، بل كلفني أيضاً سلامي النفسي، أوقظ الكوابيس في أحلامي، حتى انتهى بي الأمر إلى زيارة العديد من الأطباء النفسيين حتى أحسن التعامل مع كل هذا العنف الذي عانيت منه.

الحديث عن العنف المبني على النوع الاجتماعي دائماً ما يستدعي صورة الرجل الذي يضرب المرأة أو يعنفها نفسياً، لكنه نادراً ما يستدعي صورة امرأة ضد أخرى، لا يستدعي صورة أم تصر على ختان ابنتها فقط لأنها هي نفسها مختونة. هنا لا بد من تحديد الصورة وذكر الختان حتى تحضر تلك الصورة في أذهاننا. فصورة العنف النمطية تحمل فرق في علاقة القوة، وعادة ما تكون بفارق السن أو النوع البيولوجي أو السلطة؛ لكن السؤال هنا، ما الذي يجعل امرأة تعاني من نفس الاضطهاد تمارسه على امرأة مثلها؟

نرى هنا أن هذا المثال واضح في بيئة العمل، تراه في امرأة تحاول أن تسيء لسمعة زميلتها مثلاً لأنها تعمل ليلاً والثانية تعمل صباحاً، وأقصد هنا تحديداً أن تكون الاثنتان متساويتان في الطبقة والتعليم، تقرر إحداهما أن تفعل ذلك فقط لأنها تخضع للمعايير المقبولة اجتماعياً، فقد تكون ممن يرتدين غطاء الرأس وتعمل في الصباح وتعود إلى منزلها في الظهيرة، أما الثانية فهي تخرج عن الشكل النمطي المتعارف عليه، إذ خلعت ذلك الغطاء وأصبحت تعمل ليلاً، ربما لأن الأولى غير قادرة على القيام بنفس الفعل، فتقلل من الثانية، أو ربما الإجابة تكمن في السلطة الذكورية.

مع بداية الحروب وحركات الفتح والغزو بأسبابها المختلفة  والتي تتضمن السلطة وفرض السيطرة، ركب المحاربون الأحصنة وانطلقوا إلى ساحات المعارك يقتلون الجيش المعادي، ويستولون على الغنائم، ويستغلون جميع الموارد المتاحة. لم يقتصر الأمر فقط على ذلك، فقد كانت المرأة هي الحلقة الأضعف التي تتعرض للاغتصاب من قبل الجيش المنتصر في احتفالات الفوز بدون أي رغبة منها. لم يسمح لها بالرفض حتى، إما الاغتصاب أو الموت، فالمجتمع يحتفي إذن بالاغتصاب!

وقد يحدث أن يتزوج المنتصرون من النساء المغتصبات إذا لم يعدن إلى بلدانهن الأصلية، زواج من أجل فرض سيطرة أوسع وتحكم أكبر؛ تباركه المؤسسات الدينية وتقدسه، لأنه يضمن انتشاراً أوسع وزيادة في النسل، حيث يحقق ذلك الزواج مصالح المحاربين في الحفاظ على السلطة عن طريق التحكم في أجساد النساء. وعليه، فإن العنف بجميع أشكاله هو النتاج الطبيعي للحروب، والذي يضمن حينها السيطرة على النساء والتحكم في جنسانيتهن عن طريق الاغتصاب أو الزواج بالإجبار، وبذلك بدأ يتكون شكل المجتمع الذي يحكمه العنف ويهيمن عليه الرجال، والذي لم يمنح النساء حرية الرفض أو الشكوى. وبالتالي، فقد نشرت المجتمعات التي تحمل هذا الطابع هيمنة  ذكورية وسلطة أبوية يقابلها ضعفاً تام من قبل النساء، فيحتفي الرجال بعدد النساء كملكية خاصة، فالرجل الذي يملك عدداً أكبر من النساء هو صاحب الثروة الأكبر.

 

جدتي التي اعتبرت جسدي ملك لها ولذكور العائلة، جدتي الأمية التي لم يسبق أن عملت من قبل والتي تعيش في الريف والتي تخرج فقط عن المسح من حيث الثروة.

 

هذا ولم تقف صورة العنف عند ذلك الحد فحسب، فكان لابد للرجال لكي يحافظوا على سلطتهم أن تكون مدعومة من قبل النساء أيضاً، فأصبح من المعتاد أن تبرر النساء العنف الواقع من الرجال على النساء الأخريات وفي أحيان كثيرة كان يمارس العنف من النساء على النساء.

نشرت الأمم المتحدة تقرير مسح أعدته في عام 2015 يوضح التكلفة الاقتصادية للعنف المبني على النوع الاجتماعي في مصر. ويظهر المسح أن العنف هنا تحكمه اعتبارات كثيرة، منها على سبيل المثال أن نسبة تبرير العنف وتقبله تزيد أو تقل حسب الفئة العمرية  والحالة الاجتماعية ومنطقة الإقامة – والمقصود بالإقامة هنا مناطق الحضر أو الريف- ومكان الإقامة – والمقصود هنا محافظة أو مدينة ووجه بحري أو وجه قبلي- والمستوى التعليمي  وحالة العمل والثروة، حيث يظهر التقرير أن نحـو ربـع النساء أو ما يعادل23% يـرون أن ضرب الـزوج لزوجتـه يكـون مبـرراً في موقـف واحـد علـى الأقـل مـن المواقـف الآتية: إهمال الأعمال المنزلية، إهمال رعاية الأولاد، التأخر في إعداد الطعام أو حرق الطعام، الشك الدائم في الزوج وسؤاله عن أماكن تواجده، وأن 19% من النساء تكون أكثـر تقبـلاً لـضرب الزوجـة في حال خروجها من دون إذن الـزوج، و 16% في حال الرد عليه ومجادلته. هذا وترى 11% من النساء أن ضرب الزوج لزوجته يكون مبرراً في حالة إهمالها رعاية الأطفال أو رفضها إقامة علاقة حميمية معه. وقد أوضح المسح أنه يزداد قبول ضرب الزوجة بين النساء في الريف بين النساء الأميات بين والأكثر فقراً وكذلك المتزوجات والأرامل والنساء اللاتي لم يسبق لهن العمل من قبل أو يعملن بدون أجر.

جاء المسح ليرسم صورة جدتي في كل مرة أرى فيها البيانات، جدتي التي اعتبرت جسدي ملك لها ولذكور العائلة، جدتي الأمية التي لم يسبق أن عملت من قبل والتي تعيش في الريف والتي تخرج فقط عن المسح من حيث الثروة.

لقد حمّلت جدتي جسدي وزر معتقداتها وشرف العائلة وكل ما سمعته من أحاديث الشيوخ في التلفزيون. حمّلت جسدي كل ما أكرهه فقط لأنها جدتي، على الرغم من أنها حمّلت جسدها من قبل نفس تلك المعتقدات بإرادتها، والتي سلبتها مني لكي تحافظ على شرف العائلة في الوضع المرسوم له على السلم الذي تتنافس عليه أعيان المدينة الريفية.

تخبرني جدتي دائماً بأنها تخشى علي من عذاب النار ومن كلام الناس. تخاف هي أيضاً من أن أبقى بلا زواج بسبب أنني خلعت غطاء رأسي، فأنا أظن أن دافعها فعلاً هو الخوف على صورتها. فقبولها لما أريده يعني أن تهتز صورتها النمطية كجدة ناجحة، فالنجاح هنا يعني الطاعة.

ربما هي تخشى أيضاً أن تفلت السلطة من يدها، السلطة والوازع الديني والإبقاء على الصورة النمطية لدور المرأة والحفاظ على شرف العائلة هم أسباب القهر في حالتي كواحدة من النساء اللاتي أكتب عنهن.

أتخيل نفسي لو شاركت مع جدتي في مسرح المقهورين، هل كنت سأتبادل معها أدوار العنف والاضطهاد؟ وعندها لن تنتهي دائرة القهر. الحل يكمن في تعليم جدتي، أن أحولها من امرأة أمية إلى أخرى واعية ومدركة لحقوقها ولدورها الاجتماعي، ربما لو فهمت جدتي ما فهمته لتوقفت عن ممارسة القهر على بقية حفيداتها، حينها فقط سأكون أنا الفائزة.

%d مدونون معجبون بهذه: