تصوير وبحث: فتون قصيري
كتابة: كرم الشلبي
هذا المقال من ملف عدد ‘الزواج و الأعراس’ – هيكل العدد هنا 

 

تعيش مجتمعاتنا العربية تحت مظلة الأنظمة الذكورية، وإن لم تصرّح بذلك، وحتّى مع اختلاف شدّتها بين مجتمع وآخر. وهذه المجتمعات تحكمها العادات والتقاليد التي ترجّح كفّة السلطة الذكورية على المرأة، وتتدخّل هذه العادات والتقاليد في تكوين مخططات وأحلام الجنسين وشخصيّاتهم، وتعبث بتفكير معظمنا رغما عنّا، لنعُيد بأنفسنا ذات الحلقة ونفس السيناريوهات ونغرق جميعنا في الدوامة عينها. وليست هذه محض آراء، وإنما حقائق تثبتها -للأسف- قصصٌ وأرقامٌ مخيفة باتت تظهر للعلن بشكل أكبر وأكثر قسوة في الآونة الأخيرة. 

ورغم انتشار الحركات النسوية والجمعيّات والمنظّمات التي تعمل على نشر الوعي لمناهضة العنف واضطهاد المرأة والعمل على تمكين دورها في المجتمعات العربية، نلمس غياباً واضحاً لحوار حضاري ومشترك مع كافّة فئات المجتمع، وتلعب عوامل عدّة أدواراً رئيسية تضيف إلى حساسيّة الموقف تعقيدات أكثر، تعمل على زرع الخوف وتوسعة الفجوة بين أطراف المعادلة، ولذا فقد أصبح من الضروريّ جدّاً،  متابعة قضايا المرأة بشكل أكثر إمعاناً والعمل على تغيير العادات والتقاليد وحتّى القوانين التي تحابي الرجعية وتخالف مبادئ الإنسانيّة، بهدف إنشاء أرضية مناسبة للحوار تحقق لفتيات ونساء المجتمع مطالبهن الحقّة والعادلة وتحافظ على النسيج المجتمعي والعلاقات الأسرية.

يقدّم هذا المشروع، “مريرة” قصصا واقعية مأخوذة عن فتيات أجريت معهن مقابلات في مدينة إربد، الأردن. ويهدف المشروع إلى ترجمة هذه التجارب والقصص المعروفة غير المسموعة إلى صيحات صارخة تتحدى هذه العادات السلبية وتدعو إلى تمكين المرأة ودورها في مجتمعاتهم. اخترنا هنا بعضاً من هذه القصص التي تعكس علاقة الفتيات مع الأهل وخصوصاً في أمر الزواج. ومن الجدير بالذكر أن هذه القصص، وإن اختلفت الأسماء والأحداث فيها، تتكرر وتتعرض لها كثير من الفتيات.

تصوير فتون قصيري

زينة

سنواتٌ مرّت، أتوخّى العفّة
وأقتات على وعد بحياة حلوة
والباب يُطلّ على حبّي
لكنّ أبي… أغلق بابي
دفن الحبّ ونسي العفّة

 

ربطت زينة وعلاء علاقة حبّ دامت ٧ سنوات، وبعد تخرّج علاء من الجامعة وعثوره على وظيفة، ذهب ليطلب يد زينة للزواج، إلّا أن والدها رفض زواجهما لأنه -برأيه- لا يجوز للفتاة اختيار من تريد. أمّا زينة التي انتظرت هذه اللحظة منذ سنين دخلت في حالة اكتئاب شديدة، أجبرها أن تعيش على أدوية منع الاكتئاب ثلاث سنوات.

 

هل تم إجبارك على الزواج؟
“بعد ما بابا رفض علاء، تزوجت بعد فترة من شخص آخر بسبب الضغوطات.”


كيف تم إجبارك على الزواج؟

“كان يتقدم لي عرسان للزواج وأنا أرفض، لأني مش قادرة أشيل علاء من تفكيري. قبلت بالزواج بسبب تهديدات إخواني لأنو كل ما أرفض شخص يفكروني لسا على علاقة مع علاء.” 


ما هي الوسائل التي تم استخدمها في إجبارك على الزواج؟
“كانو إخواني يهددوني إنو ممكن يسببو الأذى لعلاء إذا بضل أرفض الزواج من شخص تاني، وسحبو مني التلفون وكانو كل فترة يفتشو تلفوني ليتأكدوا اني ما بتواصل مع علاء، وغير هيك منعوني أطلع من البيت ولما أطلع يحاولو يراقبوني وين بروح وين باجي.”


هل كان هناك اعتراض على هذا الزواج من أحد أفراد العائلة؟ ولماذا؟

“لأ، صراحة الكل بدو ياني أتزوج حتى والدتي. ما كان في غير صديقتي واقفة بصفي، لأنها الوحيدة الي بتعرف قديش بحب علاء.”


هل توقفت ضغوطات الأهل بعد الزواج، حول الإنجاب مثلا؟
“لأ، كانوا تاركينا على راحتنا بهاد الموضوع بس أم زوجي بتضغط عليه بالموضوع بشكل غير مباشر.”


كيف كانت العلاقة مع الزوج في الفترة الأولى من الزواج؟
“الشهر الماضي كانت الذكرى الأولى لزواجنا بمر أيام بنتزاعل، و لما نتزاعل بكون نفسي أرنّ لعلاء، أكيد قطعنا العلاقة من لما تزوجت بس هيك مرات بحب أشوف شو صار معو بحياتو.”


ما المشاكل الزوجية التي واجهتك؟ هل فشل الزواج ولماذا؟
“أكبر مشكلة كنت أواجهها إني أتقبل فكرة الزواج من شخص ما بعرفو. داخل عقلي كان صعب اتقبلو كزوج لأنو هاد مش خياري مثلا، لما كان يحاول يبوسني فترة الخطوبة كنت أشعر بقرف واشمئزاز. صارلنا سنة متزوجين ومرات لسا بحس إني صعب أتقبل أطباعو.”

تصوير فتون قصيري

دعاء

أحياناً كثيرة، أُحسّ أني عبء اضطُر أهلي عليه رغم أنهم لم يقولوا لي ذلك أبدا.
لكنّي أحسّه في كلامهم وأفعالهم. وإلّا لماذا إذا أجبروني على الزواج في سن الخامسة عشرة؟؟

ولماذا لم يسمح لي أهلي أن أكمل تعليمي مثل صديقاتي؟؟

 

دعاء، من عائلة سورية نزحت إلى الأردن في سنة ٢٠١٧، تضم عائلتها ٨ أفراد يعيشون في غرفتين في ظل ظروف مالية صعبة، وفي أحد الأيام أجبرت دعاء على الزواج من رجل أربعيني وهي في سن الـ ١٥ مقابل مبلغ مالي قبضه الأب. دعاء الآن طفلة مطلقة تعيل طفلين، ولا زالت تحلم أن تكمل دراستها.


هل تم إجبارك على الزواج؟ 
“أبوي وأمي أقنعوني بس أنا ما كنت بدي.”


و كيف تم إجبارك على الزواج؟

“ولا إشي، أبوي إجا لعندي وقلي خلص رح نكتب كتابك، يعني أنا ما كان لي رأي بالموضوع أبداً.”


ما هي الوسائل التي تم استخدامها في إجبارك على الزواج؟
“ابوي قعد يقنعني إنو هذا الزواج أحسن إلي وللعيلة وعشان إخواني الصغار كمان، أنا حكيتلو ما بدي! أنا حابه أدرس وأروح على المدرسة زي صاحباتي بس ما كان يسمعني وكنت اضل أبكي أبكي. أنا قبلت لانو خفت يضربني. ضربني أكتر من مرة، وبصيح علي وعلى أمّي كمان.”


هل كان هناك اعتراض على هذا الزواج من أحد أفراد العائلة؟ ولماذا؟
“أكثر شي إخواتي الصغار ما كانو بدهم ياني أطلع من البيت، وأمي كانت مش كثير مبسوطة، هي ما حكتلي بس أنا حسيت من عيونها بس بجوز كانت خايفة تعترض.”


هل توقفت ضغوطات الأهل بعد الزواج، حول الإنجاب مثلا؟
“كانو أهل طليقي بضغطوا علي كثير عشان أحمل، وأنا أصلا ما بعرف إشي عن الولادة، كنت كثير خايفة.”


كيف كانت العلاقة مع زوجك في الفترة الأولى من الزواج؟
“هو أكبر مني بكثير، كنت أحسو زي أبوي بالأول وأستحي منه. مرات أحس لازم أحكيلو عمو، ما كنت أتخيل إنو هاد الشخص هو زوجي، صراحة ما كنت أعرف أي شي عن العلاقات الزوجية أو الجنسية بين الزوجين. لما كان يتقرب مني جسديا كنت أخاف كثير، وأحس إنو نفسي الأرض تنفتح وتبلعني. ما عمري حسيت إنو شريكي بأي شي.”


ما المشاكل الزوجية التي واجهتك؟ هل فشل الزواج ولماذا؟
“كان أغلب وقته يقضيه برة البيت، وأنا ما بحب عشان كان يتركني عند أهله، وأمه ما كانت منيحة معي. وما كان يسمح لي أطلع من باب البيت إلا معو. بلشت المشاكل تزيد بعد ما خلّفت أول طفل، صار يمد إيدو علي وأنا حكيت لأبوي إنو بدي أتطلق، وقتها عصّب علي ورجّعني عندهم على البيت. وبعد ما خلّفت الولد الثاني زوجي تركني وما رجعت سمعت عنو شي.”

 

تصوير فتون قصيري

منى

“أخذت الصمت في صغري، من أبي
وعن أمّي ورثتُ الحزن والصبرَ
وكلّ الهمّ والدمع..
وأدعيةً ودعواتٍ.. غداً تُرفع
وكبرتُ أسّر في نفسي أصواتاً، عسى تُسمع
فلا الناس تفهمني، وأحلامي هنا تُقمع!”


تزوجت منى زواجا تقليديا في سن الـ٢٦ خوفاً من أن يفوتها “قطار الزواج” وبعد ضغوط أهلها ومجتمعها بجملة “عنّستي يا منى”. ومع أنها لم تكن مرتاحة في البداية من زواجها بكريم، سلّمت لمشاعر الفرح والحماس خلال فترة التجهيز للعرس. ولم تطل تلك الفرحة كثيراً، فبعد الزواج وصفت منى دورها وكأنها “آلة للطبخ وممارسة الجنس”.

 

كيف تم إجبارك على الزواج؟
“أنا كنت حاسة حالي مجبورة على الزواج لأني كبرت وكل صاحباتي والبنات اللي بنفس عمري صار عندهم ولاد. لما تقدم لي كريم أنا ما كنت مقتنعة، بس ماما وخالاتي أقنعوني وصار ضغط علي من الناس القراب مني حسيت إنو إذا ما قبلت بكريم خلص ما عمري رح أتزوج.”


ما الذي دفعك للموافقة؟

“يمكن أنا ما انجبرت بل أُغريت بالفكرة، يعني كريم عندو بيت مستقل وشغل منيح. وكان حابب يعمل العرس بفندق فخم بعمّان، ونروح شهر عسل بتايلاند، وأنا دايما حلمي أسافر. فترة التجهيز للعرس أعمتني عن إني أفكر لقدام.”


هل كان هناك اعتراض على هذا الزواج من أحد أفراد العائلة؟ ولماذا؟

“أختي أكبر مني، متزوجه وعندها ٣ اولاد، كانت تحكيلي إنو على شو مستعجلة، لسا في فرص كثير قدامك لا تتسرعي بالقرار.” 


هل كان الأهل يمارسون أي ضغوط عليكم بعد الزواج؟

“كنا نحاول نحمل من أول الزواج بس ما كان يصير نصيب، بعد الزواج ب ٨ أشهر رحت زرت دكاترة بسبب ضغوطات أهل زوجي علي، فكروني ما بخلف أو عندي مشكلة، بس الحمدلله ما عندي أي مشكلة. جبت بنوتة بعد بسنة وبنتي حالياً عمرها أقل من سنتين بس الكل بضغط علي أحمل كمان مرّة قريباً”


كيف كانت العلاقة مع الزوج في الفترة الأولى من الزواج؟
“الفترة الأولى كانت من أحلى الفترات. ليلة عرسنا كانت أحلى ليلة بالنسبة إلي كان كريم شخص تاني، حسيتو كتير بحبني وتخيلت هيك حياتنا سوى رح تبقى مليانة بالحب. هلا يادوب عم نشوف بعض.”


ما المشاكل الزوجية التي واجهتك؟ هل فشل الزواج ولماذا؟

“مشكلتي مع كريم إنه بقضي أغلب وقته مع أصحابه، يعني ما برجع على البيت إلا الفجر، بقضي طول الليل يلعب شدة معهم وبتركني لحالي بلشانة بالبنت وبالبيت. وكأني خادمة عنده. 

فكرت بالطلاق أكتر من مرة، بس شو حجتي قدام الناس بدها تكون؟ إني بحس حالي خدامة عنده؟ رح يجاوبوني مهو طول اليوم بتعب بشغله عشان يصرف عليكي وعلى البيت. بس مش لازم الحياة تكون هيك!”

 

تصوير فتون قصيري

%d مدونون معجبون بهذه: