بقلم: سري باز
العمل الفني: موسى الشديدي
هذا التقرير بالتعاون مع سينمجي، (مبادرة سينمائية عربية نسوية كويرية)

 

مراجعة موجزة لمجموعة من الأفلام العربية التي تسعى للبحث حول ظاهرة ارتداء النساء  لثياب الرجال في السينما العربية، وتحاول الإجابة على تساؤلات من قبيل؛ ما الصور النمطية التي رسختها هذه الأفلام؟ كيف صورت الشخصيات التي قامت بهذا الفعل؟ ما هي المفاهيم النسوية الكويرية التي يمكن نقد هذه التصويرات على الشاشة من خلالها؟

 

فيلم بنت الباشا المدير/ 1938
يتمحور الفيلم حول الأخوين حكمت وإسماعيل اللذان يواجهان ضائقة مالية قد تؤدي إلى خسارة منزلهم، يحصل الأخ إسماعيل على عمل كمدرس خصوصي لأبناء أحد الأثرياء في ريف مصر، ولكنه يتعرض حادث سير يؤدي إلى بقاءه في المستشفى، وبسبب الظروف الاقتصادية تخطر فكرة لأخته حكمت حيث تقوم بالتنكر بثياب رجال للحصول على الوظيفة، دون علم أخيها إسماعيل في بداية الأمر.

في المشهد الأول بعد تنكر حكمت وعند مقابلتها للباشا من أجل الوظيفة، يقوم الباشا بالتعليق على حكمت، حيث يعلق بداية على الاسم:

حكمت هو ايه الاسم النسواني ده !!

مال حسك ناعم، خشن صوتك وابقى راجل، انتا مش في مصر، انتا في الريف هنا

يعلق البيك أيضا على جسم الأستاذ حكمت من حيث شكله ووقفته.

بعد ذلك تتابع أحداث الفيلم ومشاهده بين تنكر حكمت/الأخت بملابس رجالية كأستاذ لأبناء البيك وبين لباسها كامرأة، حيث تحضر حفل زواج أحد بنات الباشا ويعجب بها الجميع ويظنون أنها بنت الباشا مدير الناحية، يلتقيها توفيق ويعجب فيها.

تتابع الأحداث وتتشابك إلى حين تعقدها حيث يظن توفيق أن الأستاذ حكمت معجب بأخته بدرية ويأخذ على عاتقه مساعدته لإتمام زواجه من أخته، في يوم كتب الكتاب تتكشف الأمور ويتزوج توفيق من حكمت، في حين تتزوج بدرية من قريبها بيومي. 

بشكل عام الأحداث بسيطة وساذجة في بعض المشاهد، شخصية حكمت المرأة في تنكرها بملابس الرجال طرحت بطريقة مباشرة يحكمها الظرف المادي للأخوين، دون تنميط أو قولبة واضحة للشخصية وما قامت به.

المشهد الأول الذي تمت الإشارة له هو الصورة النمطية الشرقية العامة عن الرجولة والأنوثة، وهي فكرة متسقة إلى حد ما مع العوامل التي وجد بها الفيلم فالفترة الزمنية وهي العام 1938 تحمل هذه الرمزيات، إضافة إلى الحدود المكانية (أرياف مصر) والإشارة في مشاهد الفيلم لخصوصية المكان مقارنة مع مصر (المدينة) التي تشهد تحرراً وانفتاحاً أكبر بالتأكيد من الصعيد المنغلق والمتزمت والذي تسيطر عليه بشكل أكبر العادات والتقاليد.

في الفيلم أيضاً إشارة أخرى ولو كانت جانبية، حيث يسر إسماعيل/الأخ من أخته حكمت لما قامت به من التنكر بملابس الرجال وأخذ مكانه ويعبر لها عن مفاجئته ولكنه يظهر قلقه من كيفية بقائها بين أبناء الباشا الذكور !!

غير ذلك لم يبرز الفيلم صوراً أو قوالب محددة عن شخصية حكمت وتنكرها، ففي مشهد النهاية ورغم تفاجأ الأب وانزعاجه إلا أن الأمور تعالج بسرعة ويتم احتواء الفوضى الصغيرة التي حدثت ويتم حفلا الزفاف.

بالتأكيد تضمن الفيلم الصور النمطية العامة عن المجتمع الشرقي وبالأخص الريفي منه حيث مشاهد الزفاف والفصل بين النساء والرجال، دور المرأة الجانبي والهامشي بشكل عام حيث مكانها ودورها الأساسي البقاء في المنزل، مشاهد الخدم وتعامل الباشوات معهم وغيرها.

 

فيلم لهاليبو/1949
يتناول الفيلم قصة (إلهام) الملقبة بلهاليبو والتي تعمل في سيرك حنفي، الهام تعيش قصة حب مع أمير ابن الباشوات والذي يفوقها قدرا بالمركز الاجتماعي والاقتصادي، مقارنة معها التي تربت على يدي المعلم حنفي في السيرك وامتهنت العروض الأدائية والبهلوانية.

حبكة الفيلم هي في رفض المعلم حنفي لحب أمير وإلهام خوف من خسارة مكاسبه المالية من عمل الهام في السيرك، وبالتالي يحاول باستمرار منعهما من الالتقاء ويمنع أمير من دخول السيرك لرؤية حبيبته إلهام، تشعر إلهام بالحزن واليأس، وهنا يتدخل رفيقاها في السيرك (النمر والفأر) ويخبرانها بالسر الذي قام حنفي بإخفائه عنها طوال كل هذه السنوات، والمفاجأة أن إلهام هي ابنة باشوات ومن عائلة معروفة ومرموقة في مصر، دون علمها أن جدها وهو من تبقى من عائلتها يكره النساء ويرى أنهن سبب كل المشاكل والمصائب.

تتواصل إلهام مع جدها وترسل له مكتوب تخبره أنها حفيدته ومتشوقة لرؤيته، يظن الجد مجدي باشا أن لديه حفيدا ويفرح بذلك لضمان استمرار ورفع اسم عائلته “القرونفلي”، ويرسل خادمة السيد فهيم للبحث عن حفيده والتأكد من هويته وإحضاره، يذهب فهيم إلى السرك ويلتقي إلهام ليكتشف أنها امرأة وليست شابا ويخبرها مباشرة بموقف جدها من النساء وانه سيرفض مقابلتها أو الاعتراف بها، تلجأ إلهام إلى التنكر بملابس رجل لتستطيع الوصول إلى جدها وإقناعه بمساعدتها ورعايتها.

يستقبل الجد حفيده إلهام ويطلب منه من أول لقاء أن يتعلم الشدة والجدية وأن يكون كرجال عائلتهم القرونفلي، شديد البأس وخشنا كالرجال.

تستمر أحداث الفيلم، ويعود المعلم حنفي للمشهد ويبتزها ويطلب مبلغا كبيرا من المال من إلهام أو سيقوم بفضح حقيقتها لجدها، يدفع الجد، ولكن حنفي لا يتوقف عن ابتزاز إلهام ويجبرها على العمل كراقصة في الكباريه الجديد الذي افتتحه، تضطر إلهام مجبرة لابتزاز المعلم حنفي وتستمر معاناتها وتعبها.

في النهاية تقرر إلهام التوقف عن الاستسلام لمطالب المعلم حنفي وتقرر المغادرة هي وأصدقائها النمر والفار والسيد فيهم، يعلم الجد لاحقا حقيقة حفيدته وأنها امرأة وليست رجلا ويقرر احتضانها بعد معرفة معاناتها وإنقاذه في المشكلة التي حدثت في كابريه المعلم حنفي.

ينتهي الفيلم نهاية سعيدة حيث يلتم شمل إلهام كامراة مع جدها وأصدقاءها وحبيبها أمير.

بشكل عام الصور النمطية التي تضمنها الفيلم هي مطالبات الجد مجدي باشا والذي يمثل المجتمع المصري حفيده إلهام بالخشونة والرجولة وعدم “المياعة” كالنساء، تضمنت العديد من المشاهد المضمون ذاته بشكل أو بآخر، فحين أعجب الجد بالراقصة كروان/إلهام قالت له أنها لا تحب حفيده إلهام لأنه “منعنع” و”مايع” وأنها تحب الرجل “الخشن والجامد”، كذلك تضمنت العديد من المشاهد ذات التعليقات والمضمون.

مشاهد أخرى مثيرة للاهتمام هي إعجاب ناهد/أخت أمير بالشاب إلهام ومحاولتها إغرائه والتحرش فيه وهي مشاهد غير مألوفة بشكل عام بهذا الوضوع والجرأة في المجتمع المصري، حيث تبدي ناهد إعجابها ورغبتها في الشاب إلهام منذ أول لقاء لهما في حفل تعريف الجد مجدي باشا بحفيده لأفراد المجتمع النبيل والباشوات، كذلك الأمر لباقي الفتيات اللاتي أعجبن بالشاب إلهام وبجماله وأبدين رغبتهن الشديدة فيه، 

هناك أيضا مشهد أخر مثير للاهتمام وهو رغبة أمير بالشاب إلهام رغم أنهما يتظاهران أنهما صديقين منذ أيام الدراسة، إلا أنه في أكثر من مشهد لم يتمالك أمير نفسه وأظهر افتتانه بالشاب إلهام أمام والديه وأيضا في حفلة التعريف في بيت الجد مجدي باشا وهي برأيي مشاهد مثيرة للاهتمام وتستحق النقاش.

بشكل عام أيضا تضمن الفيلم الصور النمطية عن الرجل، حيث يجب أن يكون قويا وخشنا وجادا وأن لا يكون “مايع” أو ناعم، فهو مطلوب منه التقيد بتصورات المجتمع المصري عن الرجولة، ولكن المؤكد أن الفيلم تناول قضية تنكر المرأة بملابس الرجال بطريقة اكثر سلاسة عنها في الأفلام التي تضمنت ارتداء الرجال بملابس النساء حيث سيطرت فيها الصور النمطية بشكل ساذج ومبالغ فيه.

هنا أيضا يتضمن تقديم شخصيات المرأة التي ترتدي ملابس الرجال هذه التابوهات والقوالب الجاهزة ولكن ضد المرأة وليس ضد الرجل، أي إن السينما العربية قدمت ارتداء النساء لملابس الرجال بتسامح أكبر لأنه التنكر يظهر شخصية “الرجل” لا المرأة، برأيي حاولت السينما بشكل أو آخر الحفاظ على صورة الرجل الشرقي وحاولت عدم خدشها على حساب صورة المرأة وترسيخ دونيتها وقولبة طبيعتها وكيف تتصرف الخ …

 

فيلم للرجال فقط/1964
تدور أحداث الفيلم حول الفتاتين إلهام وسلوى اللتان تعملان في الشركة الوطنية للنفط في مصر، تعملان بجد في الشركة وتطلبان من المدير العام الذهاب إلى العمل في الصحراء في حقول التنقيب عن النفط ولكن المدير يرفض قطعياً لأنه القوانين لا تسمح بعمل النساء، والعمل في حقول التنقيب في الصحراء مقتصر على الرجال.

تسنح الفرصة أمامهما للذهاب بدلا من رجلين تنازلا عن وظيفتهم ولكي لا تضيع الفرصة منهن يقمن بالتنكر بملابس رجال ويذهبن إلى حقل النفط ومن هناك تبدأ الأحداث.

تلتقيان هناك بمجموعة من العاملين في حقول التنقيب وتتشاركان غرف النوم مع زميليهما أحمد وفوزي بالطبع بشخصيتهما كرجلين، إلهام بشخصية مصطفى وسلوى بشخصية حسن، تواجهان بعض المصاعب في البداية ولكنهما يستمران في العمل ويكتشفان حقل نفط جديد ويبدأ العمل بالتنقيب فيه.

تعجب كل من إلهام/مصطفى وسلوى/حسن بزميليهما أحمد وفوزي، ويلتقيان بهما في شخصيتهما الحقيقيتن كفتاتين في أيام الإجازة في السويس، وهناك يعجب كل من احمد وفوزي بهما ويغرمان على الفور، تلجأ الفتيات للقول انهن أخوات زميلهما (مصطفى وحسن).

عند عودتهم من الإجازة يبدأ أحمد وفوزي بالشك بهما ويقومان بتفتيش خزانة ملابسمها ليفاجئا بالملابس النسائية دون علم إلهام وسلوى، لاحقا تكتشف الشركة غياب إلهام وسلوى لانتهاء إجازتهما وتكتشف أمر تنكرهما وانتحال شخصية الرجلين وتطلب من مدير حقل التنقيب إرسالهما على الفور إلى الشركة العامة في مصر وحينها يتدخل أحمد وفوزي لتأخير ذلك لبعض الوقت حتى اكتشاف النفط في الحقل الذي يتم العمل عليه لإثبات نجاح الفتاتين سلوى وإلهام وينجحان بالفعل.

الفيلم تضمن مجموعة من المشاهد والصور النمطية ولكنه منذ البداية عالج قضية شائكة هي قضية عمل النساء واقتصار بعض المهن في المجتمعات العربية على الرجال على اعتبار أن قدرات المرأة لا تسمح لها بالعمل في هذه الوظائف والقطاعات، بالتالي الإشكالية الأساسية التي تناولها الفيلم هامة، فهو سلط الضوء على صورة نمطية شائعة جدا في مجتمعاتنا، بالطبع وهو الأمر الذي حاولت الفتاتين كسره والخروج عنه من خلال تنكرهما بشخصيات رجال.

في بداية الفيلم ظهر مشهد الفراش في الفندق الذي نزلت فيه إلهام وسلوى في طريقهما إلى حقول التنقيب وهما متنكرتين، حيث يظهر المشاهد استغراب الفراش من شكل مصطفى/حسن وعدم اقتناعه أو عدم رضاه عن شكلهما.

يظهر الفيلم فوزي بشخصية الشهواني الذي لا يستطيع السيطرة على رغبته الجنسية في كثير من الأحيان لدرجة أنه يتهيأ له أن يرى نساء وهم في الحقيقة زملاؤه الرجال ويحاول تقبيلهم أو ملامستهم.

بشكل عام الفيلم صدر العديد من الصور النمطية عن الرجل وسماته من حيث القوة والخشونة والقدرة على التحمل والعمل الشاق في ظروف صعبة، عكس المرأة التي لديها خيارات أقل للعمل وممنوعة من العمل في بعض الوظائف والمهن، يتكرر ذلك على لسان الشخصيتين سلوى وإلهام أثناء تنكرهما وزيارة أحد حقول النفط، حيث يصابان بالتعب والإرهاق، وتقول سلوى أنها تفضل أعمال المنزل كالطبخ والغسيل والتنظيف على هذا العمل الشاق، أي الفيلم قد أعاد تصدير الصورة التي قد حاول كسرها بالأساس وهي حصر المرأة في الأعمال المنزلية والأعمال المكتبية وتأكيد حصرية بعض الوظائف والمهن على الرجال.

رغم ذلك أعتقد أن الفيلم بشكل عام إيجابي فقد سلط الضوء بقصد أو دون قصد على قضية عمل المرأة والظلم والتمييز التي تتعرض له النساء وحرمانهن من العمل في بعض الوظائف، تم تقديم الشخصيتين متنكرتين بشكل جيد فأحمد وفوزي لا يكتشفان تنكرهما إلا في نهاية أحداث الفيلم تقريبا، ولكن إذا نظرنا بشكل أوسع فإن الصورة العامة التي يمنحنا إياها الفيلم هي التصور النمطي ذاته، فسلوى وإلهام لم تتمكنا من العمل في حقول التنقيب عن النفط إلا من خلال تنكرهما بملابس الرجال رغم تفوقهما وجدارتهما في العمل، أي إن الطريق إلى الوصول لما تريده النساء هو بشكل أو بآخر في أن يصبحن “رجالاً”.

 

فيلم أصعب جواز/1970
يتناول الفيلم قضية اجتماعية هامة في المجتمع المصري والمجتمعات العربية بشكل عام وهي إكراه الفتيات على الزواج وزواج الأقارب على وجه الخصوص، بتحدث الفيلم عن ثلاث فتيات في ريف مصر نشأن في بيئة منغلقة ويعانين بسبب تشدد والدهن وشدته وقسوته في التعامل معهن كفتيات.

يخبرهن والدهن أنه سيزوجهن لأبناء عمهن، ويصبن بالفزع فلا يعرفن شكل أبناء عمهن حتى، ولذلك يقررن الهرب من المنزل والذهاب إلى القاهرة إلى منزل خالهن، من أجل ذلك يتنكرن بملابس الرجال التقليدية المعروفة في الصعيد.

مشهد التنكر قصير ولم يتكرر، فقد اقتصر على مشهد هروبهن من منزل والدهن في الصعيد حتى وصولهن القاهرة.

تتابع أحداث الفيلم ويصل أبناء عمهن إلى القاهرة للبحث عنهن وقتلهن حفاظا على “شرف العائلة”، يزرن بيت خال الفتيات ويلتقوا بهن دون معرفتهم بأنه هؤلاء الفتيات هن بنات عمهم، مع الوقت يعجبون ببعضهم، وينتهي الفيلم بمجيء الأب إلى القاهرة وتفاجأهم بأن الفتيات الذين أمضوا معهن الوقت هن بنات عمهم ويتم الزواج.

الفيلم سلط الضوء على قضية هامة وهي كما أشرت إكراه البنات على الزواج رغماً عن رغبتهن ودون اختيارهن، وزواج الأقارب بشكل خاص حيث ينتشر هذا النوع من الزيجات في المناطق الريفية في مختلف الدول العربية ويسعى له الأهل للحفاظ على ثروة وممتلكات العائلة.

لا يعتبر مشهد التنكر رئيسياً ولكنه كان الطريقة الوحيدة لهروبهن من المنزل، لكن الفيلم تضمن صوراً نمطية عن المرأة فقد تكرر على لسان أحد أبناء العم أن النساء صنف واحد وهن جميعا خائنات بسبب تجربة عاطفية سابقة له، أو تسليع المرأة وحصرها في الرغبة الجنسية أو عملها في المنزل.

 

فيلم المتعة والعذاب/1971
تدور أحداث الفيلم حول أربعة صديقات، تعاني كل منهن من مشكلة نفسية، إلهام لديها عادة السرقة وفيفي تعاني من وهم الشهرة والظهور، أما نانا وسلوى فلديهما عقدة من الرجال، تقع الفتيات في شباك عصابة تحاول ابتزازهن من أجل المال.

الفيلم سطحي ولا يتضمن هدف أو قضية ما، مجموعة من الأحداث المتتالية والتمثيل الرديء إذا ما كان بالإمكان القول، في مشهد سرقة شركة الدخان تتنكر الصديقات الأربعة بملابس الرجال من أجل إتمام عملية السرقة وتمويه الشرطة، لا يتجاوز المقطع الدقيقتين، ولم يحمل معه أي صور نمطية جندرية شائعة، فقد استخدمت الفتيات التنكر بملابس الرجال بناء على طلب أفراد العصابة.

الفيلم ركيك.

 

فيلم أجمل أيام حياتي/1974
قصة الفيلم تدور حول ابنة ثري مصري اسمها هدى تريد الزواج من حبيبها اللبناني إلا أن والدها يواجهها بالرفض ولا يوافق على الزيجة، تهرب هدى من المنزل وتسافر إلى لبنان عن طريق السفينة وهناك تضطر للتنكر بملابس رجل وتستخدم اسم حميدو لكي تتخفي عن ملاحقة موظف والدها الذي يبحث عنها.

في طريق الرحلة تتعرف على سمير الرجل الذي سرقت ملابسه، تجمعهما الصداقة ويقوم سمير بمساعدة هدى/حميدو على التخفي من التفتيش عند الوصول إلى الميناء في لبنان عن طريق إخفاءه في أحد صناديق الشحن، يكملان رحلتهما سويا في لبنان وتستمر هدى/حميدو في التخفي من ملاحقة والدها وتحاول التواصل ولقاء رفيق حبيبها اللبناني، يقضي كل من حميدو وسمير وقتهما في البرية إلى حين اكتشاف سمير لحقيقة حميدو وانه فتاة متنكرة دون أن يخبرها بذلك، لحين وصولهما إلى نقطة تفتيش على أحد الطرق،حينها يضطر حميدو للكشف عن حقيقته وانه فتاة وهي ابن ثري مصري.

تتابع الأحداث ويخبر سمير الشرطة ووالدها عن مكانها مع الغجر الذين لجؤوا إليهم، تعترف هدى بحبها لسمير وتطلب منه مرافقته إلى كندا إلا أنه يرفض ويأخذ النقود التي صرفها على حميدو/هدى من والدها ويقرر المغادرة على متن السفينة، أثناء مراسم الزفاف تترك هدى الحفل وتلحق بسمير على متن السفينة وتتنكر مجددا في ملابس سمير ويلتقيان.

الفيلم عالج قضية الزواج ومصادرة حق الفتيات في اختيار الشريك، وفرض الأهل اختياراتهم على بناتهم، يعكس الفيلم القضية من جانب آخر، فعلى عكس فيلم “أصعب جواز” الذي تناول شريحة اجتماعية ريفية بمعايير أخلاقية مختلفة، هنا الفيلم يلقي الضوء عل شريحة اجتماعية أخرى ثرية ومتفتحة وأكثر حرية وتعليما إلى أن ذلك لم يمنع فرض خيارات الأهل في شريك الزواج لبناتهم وهي جزئية هامة، حيث أن الطبقة الاجتماعية والمستوى المادي والتعليمي لم يحل دون هذه الإشكالية التي حاولت هدى رفضها في الفيلم من أجل تحقيق اختيارها هي وعدم الانصياع لقرار والدها.

شخصية حميدو تقليدية، شاب فقير ويحتال لكسب لقمة عيشه، يدخن ويشرب وهو جريء ومغامر، الصورة التقليدية لمعظم الشبان، لم يتضمن الفيلم صوراً نمطية سائدة كما الأفلام السابقة ربما بسبب مكان التصوير وحبقة القصة التي كانت أغلب أحداثها في لبنان، البلد العربي الأكثر تحرراً وانفتاحاً، لكن رغم ذلك تضمن الفيلم قضية الإكراه في زواج الفتيات والتحكم في مصيرهن من قبل الأهل وهي قضية هامة في مجتمعاتنا العربية.

 

فيلم بنات حارتنا/1987
عزيزة، جمالات ولواحظ ثلاث صديقات من حارة شعبية يعملن تاجرات شنطة لدى المعلمة نازاجا ويختلفن معها على العمل بسبب مصادرة الكثير من البضائع في المطار أثناء عودتهن، تصبح الفتيات الثلاث دون عمل حتى يلتقين حربي والست شهيرة، حيث تعرض عليهن العمل والسفر لإحضار فساتين وملابس فخمة لبوتيك الست شهيرة دون أن يعلمن أنهن ضحية عصابة لتهريب المخدرات.

ينجحن في أول سفرية لهن ولكن في الرحلة الثانية يتم القبض عليهن وتفتيش الحقائب في المطار بسبب إخبارية ويتم الإمساك بهن بتهمة الاتجار بكميات كبيرة من المخدرات، يستطعن لاحقا الهروب من السجن ولكي يوقعن بالست شهيرة وحربي يقمن بالتنكر بملابس الرجال والذهاب إلى الكازينو لمحاولة الوصول إلى اختباء حربي وشهيرة، وفعلا يستطعن التوصل إلى مكان اختباء حربي في أحد الشاليهات، هناك يفاجئن أن مكافحة المخدرات تقوم بمتابعة خطواتهن وهو ما يساعد في كشف الحقيقة، حيث ينتهي الفيلم بالقبض على حربي وشهيرة وتبرئة عزيزة وجمالات ولواحظ.

فكرة الفيلم مكررة وتشبه بشكل أو بآخر أحداث فيلم “رجل في سجن النساء/1982” مع اختلاف تقمص الشخصيات ومركزية التنكر، في فيلم بنات حارتنا تنكر الفتيات الثلاث بملابس الرجال كان هامشياً وبمشاهد قصيرة ولم يحمل الكثير من الصور والمشاهد النمطية، فتنكرهن فرضته الظروف للبحث عن براءتهن.

عرض الفيلم شخصيات الفتيات وهن متنكرات بملابس الرجال بصورة كلاسيكية، ثلاث رجال أعمال أغنياء في كازينو تلتف حولهم المغنية ويرافقانها إلى منزلها لإكمال السهرة، هناك تعرض المشاهد رجال الأعمال بالصورة الشهوانية حيث يحاول ثلاثتهم تقبيلها.

ينتهي الفيلم كما أشرت بتبرئة الفتيات، عرض الفيلم عمل المرأة في المجتمعات العربية وخاصة في المناطق الشعبية والصعوبات التي يتعرضن لها أثناء عملهن، كما أعطي مؤشراً لماهية الوظائف التي يمكن أن تعمل بهن هؤلاء النسوة لإعالة أنفسهن وعائلاتهن، بشكل عام صدر الفيلم صورة المرأة التي تعرض للخداع والإيقاع بها أثناء محاولتها كسب لقمة العيش، كما عرض الحالة الاقتصادية والاجتماعية للنسوة في المناطق المهمشة والفقيرة.

 

فيلم حرب الفراولة/ 1994
تمت مراجعة فيلم حرب الفراولة في المراجعة السابقة عن “ظاهرة ارتداء الرجال لملابس النساء في السينما العربية” وتم الإشارة حينها إلى تنكر “فردوس” بملابس رجل لمساعدة حمامة وأخذ النقود من الباشا.

حيث تزور فردوس منزل الباشا ثابت، وتقول له بأن ما يهمها هو البيت والفلوس ليعيشوا فيه وان حمامة متعب وهي هنا لتقف بجانبه وبدلا عنه، فتقوم بالتنكر بزي الرجال وترافقه من اجل مساعدته في الحصول على المرأة التي يريد وحصولها هي وحمامة على النقود التي وعدهم بها الباشا ثابت.

مشهد تنكر فردوس بملابس الرجال ثانوي وقصير نسبياً، حيث تحاول تعليم الباشا ثابت كيفية إثارة إعجاب الفتيات به في الكازينو، تقليد الدور والتنكر بملابس الرجال كان ركيكا وقصيراً، ولم يحمل صوراً نمطية واضحة، ففردوس بملابس الرجال كانت تحاول تقليد الرجال الذين يسعون وراء النساء والإيقاع بهن لإرضاء رغباتهم ولم تكن مقنعة في أداء الدور، ينتهي التنكر سريعاً وتعود فردوس إلى منزلها بالملابس الرجالية وهناك يتعرض “له” شباب يحاولون أخذ نقوده أو ما يملك ولكن يظهر حمامة مباشرة وينتهي مشهد تنكر فردوس بملابس الرجال.

كما أشرت المشهد جانبي وقصير ويبرز صورة الرجل الشرقي التقليدية.

 

فيلم بونو بونو/2000
تتنكر ناهد زوجة رجل الأعمال أدهم بملابس الرجال هرباً من ملاحقته هو ورجاله، حيث تمتلك ناهد ملفات ووثائق تثبت تورط زوجها أدهم في صفقة أجهزة طبية فاسدة وخطيرة يحاول إدخالها إلى مصر.

المشهد الأول من الفيلم يظهر تعرض ناهد/جعفز للتحرش من رجل أجنبي مثلي في حمامات الرجال، مشهد التحرش مبالغ فيه وتكرر في أكثر من مكان في الفندق، تغادر ناهد/جعفر وهي تحاول التواصل مع المحامي صديق والدها لأن الوثائق لديه، لكن ملاحقة رجال أدهم لا تترك لها مجالا وتضطر لمغادرة الفندق.

تصعد ناهد/جعفر في تكسي  وتبدأ الأحداث بالتشابك أكثر، شائق التكسي شاب يشرب ومنذ البداية يثير شكل جعفر/ناهد ريبته، يكرر في كثير من المشاهد جملة “استغفر الله وأعوذ بالله من  الشيطان” بسبب شكه أو ريبته، حيث يسأل جعفر/ناهد بعد ضربه على قفاه على سبيل المزاح “هوا انتا ليه طري”، وفي السيارة بعد صراخ جعفر/ناهد يتأكد أنه سمع صوت امرأة لكن يشك في نفسه لأنه يشرب ومخمور.

مشهد آخر مثير للاهتمام هو جارة سائق التكسي يوسف التي تظهر رغبتها وإعجابها الشديد في جعفر منذ أول لحظة تراه فيها، تعود إلى منزل يوسف وقد بدلت ملابسها وحضرت لهم الغداء، وعندما تجد أن يوسف خارج المنزل وجعفر لوحده تبدأ التحرش به، مشهد التحرش مبالغ فيه أيضا ويظهر فيه الفارق الكبير في القوة الجسدية بين جارة يوسف وجعفر/الرجل، ولا يتوقف المشهد ومحاولاتها مطارحته الغرام حتى قدوم يوسف، لتقول له: “صاحبك فرط بين ايدي”، وتقول وهي تغادر المنزل: “هما إيه رجالة اليوم” إشارة إلى ضعف جعفر والتقليل والانتقاص من رجولته.

لاحقا ينكشف أمر تنكر ناهد/جعفر وتخبر يوسف بقصتها، طبعا تستمر مشاهد الملاحقة من قبل أدهم ورجاله لهم أثناء ذلك، في نهاية الفيلم تتمكن ناهد من الوصول إلى الوثائق التي تثبت فساد أدهم.

تعكس قصة الفيلم الظلم الذي قد تتعرض له الزوجة في المجتمعات العربية، فناهد منذ البداية كانت ضحية أدهم وتزوجها لطمعه في ثروة والدها، وبعد زواجهم يقوم بسرقة كل الورثة والأموال التي تركها والد ناهد لها، ولا يكتفي بذلك بل يدخلها المستشفى ويشتري شهادة الأطباء ليعلنوا جنون زوجته ناهد وإبقائها في المستشفى حفاظاً على نفسه.

الفيلم تناول تنكر النساء بملابس الرجال بصورة إيجابية نوعا ما، فناهد تنكرت لكي تضمن تسليم وثائق فساد زوجها والقبض عليه، ولم يغب الدافع الوطني ومصلحة مصر لأنه الأجهزة الطبية تضر بكل المصريين.

ما نقله الفيلم عن شخصية جعفر/ناهد مكرر ويحمل ذات الصور، فالرجل مطلوب منه الخشونة والصلابة والصوت الأجش والقوة البدنية، في حين أظهرت شخصية جعفر في كثير من الأحيان العكس فهو “طري” ولديه “صوت نسواني”  وخدوده “ناعمة” ويبكي إذا تعرض للضغوطات وهذا كله ينتقص من قيم وصور الرجولة والذكورة الشرقية.

 

جاءنا البيان التالي/ 2001
يعرض الفيلم الكوميدي قصة “نادر” الذي يريد أن يصبح مذيعاً تلفزيونياً، يقابل “عفت” التي تسعى أيضاً لكي تكون مذيعة تلفزيونية ويفشل الاثنان في الامتحان، تمر أحداث الفيلم بعدة مشاهد منها تغطية نادر للأحداث في فلسطين والبوسنة وغيرها، وتتلاحق الأحداث.

تم التطرق للفيلم في المراجعة السابقة لظاهرة “ارتداء الرجال لملابس النساء في السينما العربية”، تضمن الفيلم أيضاً مشهدا لعفت التي تتنكر بملابس الرجال وتذهب إلى بيت الدعارة بهدف الالتقاء بعفيفي والحصول منه من معلومات، يظهر المشهد الرجل/عفت بصورة المتررد والخجول، حيث يستمر المشهد دقائق قليلة تكشف فيها عفت شخصيتها لنادر المتنكر بملابس النساء لذات الهدف، يغادر الرجل/عفت الغرفة مع إظهار ممارسته الجنس، وينصح عفيفي بالمرأة ذاتها.

ينتهي بعد ذلك المشهد.

لم يأتي المشهد بجديد سوى إظهار الصورة النمطية للرجل الشهواني والذي يسعى للحفاظ على صورته أمام الجميع وخصوصا في المسائل الجنسية والتي تظهر للعلن، على اعتبار الضعف الجنسي أو أي ما يتعلق بالحياة الجنسية للرجل سبب للانتقاص من رجولته وذكورته.

 

خلاصة
عكست الأفلام التي تناولت ظاهرة ارتداء الرجال لملابس النساء في السينما العربية، تضمنت الأفلام السابقة التي تمت مراجعتها في أغلبها مشاهد قصيرة عن ظاهرة ارتداء النساء لملابس الرجال كانت مشاهد جانبية في معظمها ودون أهمية، مع ذلك فقد قدمت بعض الأفلام قضايا هام كزواج المرأة القصري وبالإكراه والجبر في مختلف الطبقات الاجتماعية والمكانية سواء الريف أو المدن، إلى جانب قضية التمييز في العمل على أساس الجنس واحتكار بعض المهن والأعمال على الرجال فقط وحرمان المرأة منها تحت مبرر عدم قدرتها على الأعمال الشاقة.

في معظم الأفلام تم استعارة ملابس الرجل وشخصيته لتبرير القيام بأعمال جيدة، ففي فيلم للرجال فقط تنكرت سلوى وإلهام من أجل هدف سامي وهو إثبات قدرة المرأة على العمل حتى في الوظائف الصعبة، وفي الأفلام الأخرى لجأت النساء للتنكر من أجل تحقيق أهداف سامية “القبض على فاسد، الحصول على معلومات للكشف عن قضايا فساد، إلقاء القبض على تجار مخدرات وغيرها” أي إن الأفلام قد عكست بشكل أو بآخر جسد الرجل وملابسه كرمز للقوة أو الإيجابية أو الأعمال الخيرة، على الأقل هذا ما استطعت ملاحظته بالمقارنة مع الأفلام السينمائية التي تناولت تنكر الرجال بملابس النساء حيث المرأة غدارة وكاذبة وخائنة أو ملعبنة وغيرها من الصفات والصور والقوالب النمطية المسيئة للمرأة وكينونتها ومظهرها.

باعتقادي أن الصورة النمطية العامة والكبيرة التي عكستها قائمة الأفلام هذه هي التالي: “الرجل المنقذ، والرجل الخير والشجاع” أو بطريقة أخرى إذا أرادت المرأة القيام بعمل جيد أو شجاع فليس لها سبيل سوى تقمص شخصية الرجل ومظهره لكي تتمكن من القيام بذلك، لذا أرى أن هذه الأفلام قد أساءت مجددا للمرأة مقابل تعزيز هيمنة الرجل، أي إنها رسخت الصور والقوالب النمطية السائدة عن الفروق بين الرجل والمرأة وتفوق الرجل بدنيا وجسديا واجتماعيا على المرأة الضعيفة والفقيرة والتي لا تستطيع المواجهة والتحدي وتحقيق ما تريد إلا إذا استعارت مظهر الرجل وصفاته وشكله.

 

بامكانكم قرأة مراجعة ‘رجال بثياب نسائية في السينما العربية’ هنا

%d مدونون معجبون بهذه: