بقلم: موسى الشديدي
تصوير: عمر شاع
العارضة: لانا

قبل أشهر بدأت كتابة هذا النص رغبة مني في توثيق أبرز البيانات التي ظهرت إلى العلن من قبل مجموعات كويرية في المجتمعات الناطقة باللغة العربية خلال العشر سنوات السابقة التي تندد ممارسات عنف وتحرش وفساد في داخل المؤسسات النسوية والكويرية التي تروج نفسها كمساحات أمنة وتقدمية، وحتى أساعد في فهم أي بيان قد يظهر مستقبلا من خلال توضيح السياق التاريخي لهذا العصيان الإقليمي وتوضيح مدى انتشار وتسلسلية هذا النوع من الجرائم التي تناولتها هذه البيانات. 

خلال كتابة هذا النص ظهرت شهادة فاطمة فؤاد شابة كوير في لبنان اتهمت آية متولي مغنية مصرية وبشار سليمان موسيقي أردني فلسطيني في حفل تابع لمنصة معازف، بتخديرها واغتصابها، ليثور الناس على السوشال ميديا في توبيخ المتهمين.

بعد أيام من شهادة فاطمة، نشرت منصة معازف بيانا تلقي فيه باللوم الأساسي على آية وبشار من خلال إعلان إنها ستمحي كل أعمالهم معها ومدعية إنها لم تعرف بالحادث من قبل وهو ما يتعارض مع بيان فاطمة، اذ نشر مجموعة من العاملين السابقين في معازف بيانا يؤكد شهادة فاطمة ويطالب بتأميم معازف بعد حديثهم عن أشكال من العنف (الشتم والإهانة والتقزيم والضغط النفسي حد البكاء وتخفيض الرواتب وغياب الشفافية المالية والطرد التعسفي) الذي مارسته إدارة معازف على العاملين فيها. 

ثم نشرت آية متولي بيانا تعلن فيه إنها هي الأخرى ضحية اغتصاب بشار وأنها لم تكن متواطئة معه، لتعقد شهادتها الموقف أكثر خصوصا بعد بيان فاطمة الأخير ردا على آية في تأكيد إنها أخبرتها بتعرضها لذلك. 

وهو ما أعاد طرح نقاشات على مستوى أوسع حول مفاهيم كاستثناء الأفراد الكوير وضحايا العنف الجنسي من منظومة عدالة الدولة، والفضح، والمساءلة، وثقافة الإلغاء، وكيفية تنظيم أنفسنا بطريقة تضمن الحماية والأمان الحقيقي لمن هم داخل هذا التنظيم، وهو بالضبط ما طرحته البيانات التي تناولت الحديث عنها في هذا النص. حينها شعرت أنه الوقت المثالي لإتمام هذا النص وربط الحاضر بالماضي. 

خلفية تاريخية: 

 مع بداية الألفينات بدأ ظهور مجموعات وجمعيات ومنظمات كويرية في البلاد الناطقة بالعربية، كجزء من المجتمع المدني المحلي، مثله تماما ممولة من حكومات أو منظمات غربية متبنية ذات أسلوب التنظيم الغربي المتمحور حول الهويات الجنسية الجوهرانية lgbt، تلخص الهدف من وجودها حول حماية المثليين والمثليات من العنف الواقع عليهم في المجتمعات الناطقة بالعربية ومدافعة عن حقوقهم/هن. 

حلم: 

كانت جمعية حلم (حماية لبنانية مثلية) واحدة من الجمعيات الثلاث الأولى () التي ظهرت في المنطقة عام 2001، ولم تمر عشر سنوات على تأسيسها حتى ظهرت الشهادة الكويرية العلنية الأولى حول التحرش والعنف داخلها، في ٢٠١٢ بينما كانت بلداننا تستنشق عبير الثورات العربية في العديد من المدن، نشرت سيدة مجهولة تجربتها على شبكة الانترنت. 

كتبت هذه السيدة نصا عن التحرش الجنسي الذي حدث لها على يد أحد قيادات حلم تحت عنوان “حلم والتحرش الجنسي“،
تحدثت عن شهادتها لعمليات تنمر رجالية جماعية على النساء في الجمعية بكلمات مثل “بشعة” “سحاقية غاضبة” “ريحتها طالعة” “مش طبيعية” وغيرها:
، “لقد تعرّضت للتحرش الجنسي من قبل أحد الأعضاء، وبشكل متكرر. كنت كل مرة أعبّر فيها عن رفضي التام بأن يقوم بلمس أجزاء من جسدي وكان يعيد الكرة كل مرة”، في مقال تحت عنوان Where do we stand على ذات المدونة كتبت “لقد تم اطلاق اسماء رجالية علي دون أخذ الطريقة التي أعرف بها نفسي جندريا بعين الاعتبار ودون موافقتي أو رضاي، وضحت عدم رضاي عن هذه الأسماء، لكن الأمر استمر حتى تحول رفضي لصراخ بصوت مرتفع، ومع ذلك هذا لم يكن أسوأ ما حدث، بل تعداه الأمر للتعدي على جسدي مرارا وتكرارا دون موافقتي، كان أسوأ أشكال ذلك التعدي امساكهم لنهدي دون موافقتي”. لقد برر رجال وقيادات حلم الامساك بنهود النساء في الجمعية بأنهم مثليين لا ينجذبون لهن، لترد في شهادتها على هذه الفكرة “من قال ان عدم الرغبة الجنسية نحو جسدي تعني إشاعته؟! هذه الفكرة بالتحديد، اي تشييء أجساد النساء وتصويرها اغراض تدور حولها جنسانية الرجال ورغباتهم، هي أساس النظام الأبوي الذي يميّز ضدي كامرأة في المجتمع ويجعلني أدفع الثمن غالياً بسبب خياراتي الشخصية غير المنضوية تحت هذه البطركية”.


ثم نشرغسان مكارم الذي سبق وكان عضوا في مجلس إدارة جمعية حلم وعضو موقع في السنوات التي لم يكن فيها في مجلس الإدارة حتى انسحابه منها عام 2012 مقالة تحت عنوان “اللوطي الصالح الامتيازات الذكورية كبديل عن التحرر” كتب فيها عن تسكيت النقد:
 


“التهجّم والتحرش اللفظي” الذي كان يمارس علنا على اللائحة البريدية للجمعية أمام الجميع، وتسكيت النساء اللاتي اشتكين من وجود تمييز ضد النساء داخل الجمعية من خلال اتهامهن بأنهن يعانين من “مشاكل في الشخصية” وقيام مدير الجمعية شخصيا بإرسال رسالة يشتم فيها من تقدمت بالشكوى أمام أعضاء الجمعية، وشتم إحدى أوائل المنتسبات إلى الجمعية، بشكل علني “بسبب جنسيتها الفلسطينية” ووصل الأمر إلى “استخدام الترهيب الجنسي”

حلم مثلت النواة لأغلب الجمعيات المتعلقة بالجنسانية والصحة الجنسية في لبنان، فأغلب من تم اتهامهم بالتحرش والعنف فيها خرجوا منها لتأسيس ملاذهم الخاص، جمعيات مستقلة سعيا لتلميع صورهم من كل التهم التي تراكمت عليهم، هذه الجميعات الجديدة مثلت قلاع هرب لقيادات حلم المتورطين والمتورطات.


شمس: 

سرعان ما انتشر هذا النموذج من التنظيم المتمحور حول الجمعيات والمؤسسات غير الحكومية إلى باقي المجتمعات الناطقة بالعربية كتونس، ومع هذا الانتشار ظهرت ذات الجرائم.

في 2018 قام التحالف التونسي لحقوق الميم بإصدار بيان موقع من ثلاث جميعات مثلية تونسية وهي موجودين، ودمج، وشوف، يعلنون فيه مقاطعتهم لجمعية شمس والتي هي الأخرى جمعية مثلية تونسية وتحديدا مديرها التنفيذي منير بعتور بسبب فضحه للميول الجنسية المثلية لبعض الأفراد المثليين وتعريضهم للخطر، وبسبب “تلقي جمعيات التحالف وجمعيات مساندة لهم شكاوى حول تحرشه الجنسي بقصر” غير”تطبيعه الكامل مع الكيان الصهيوني”.

وهو من رشح نفسه فيما بعد للانتخابات الرئاسية التونسية لتحتفل به منصات مثل درج ورصيف٢٢22 وفايس العربية كأول مثلي تونسي مرشح للرئاسة.

الاستثناء من عدالة الدولة:
مثل هذه الجرائم كفيلة بالقضاء على التنظيم الكويري تماما، وخطورتها لا تقل عن خطر الأنظمة الحاكمة المدعومة من الغرب المستعمر التي تهاجم هذا التنظيم بشكل مستمر بحجة انه غربي ويتنافى مع العادات والتقاليد المحلية)، لا بل متصلة به، فتجريم الكويرية في العديد من هذه الدول وتعقيد شكاوى ضحايا العنف الجنسي والاستخفاف والتشكيك بها خصوصا تلك التي تحدث داخل مؤسسات من قبل معتدين في مواقع سلطة، يجعل اللجوء إلى المحكمة أو الأجهزة الأمنية طلبا للحماية عند التعرض للأذى أمرا مستحيلا أو مؤذيا للضحية أيضا في أفضل الحالات، ما يمنح من هم في مواقع سلطة داخل هذه الجمعيات الجرأة الكافية للاستمرار بارتكاب مثل هذه الأمور، وهنا يصبح تجريم المثلية أداة حماية لقيادات هذه الجمعيات في ممارسة جرائمهم، وهو ما لا يترك خيار للضحايا سوى إصدار مثل هذه البيانات على مدار عشر سنوات دون توقف.

وفق شهادة الناجية من التحرش الجنسي في حلم، تمت العديد من المحاولات لفتح نقاش حول الأمر “كل هذا التحرّش الجنسي اللفظي والجسدي لطالما أزعجني والكثير من النساء في حلم تعرّضن له ولم تكن هناك اي معالجة جدية للموضوع، الامر الذي دفع بالكثيرات الى الاستقالة وترك الجمعية نهائياً. وغياب المعالجة الجدية كانت دائماً مرتبطة ببنية ذكورية تحول دون اي محاسبة لمن يقوم بافعال التمييز والتشهير والتحرش. وهذه البنية يمكن ان نستدل عليها من ردود الفعل التي تأتي بعد كل شكوى من الموضوع؛ لوم الضحية وحصر المشكلة في حالات فردية والسخرية من الموضوع والى ما هنالك من وسائل قمعية تهدف الى اسكات من يتجرأ ويفتح النقاش حوله”. كل البيانات تحدثت عن محاولات اصلاح من الداخل، لم تفلح ولا واحدة منها، ولم تعلن ولو جمعية واحدة عن وجود مذنب فيها، وانتهى المطاف بالتجاهل التام من قبل السلطة، ما دفع نحو الفضح والمقاطعة أو الاستقالة، والمطالبة بمحاسبة مجتمعية.

ويبقى السؤال الأهم الذي يجب أن نطرحه: كيف لهذه المؤسسات أن تعيد إنتاج ذات القمع الذي تدعي أنها تأسست لتحمي المجتمع الكويري منه؟ وترفض الانصياع لأي شكل من أشكال العدالة، غير عدالة تابعة لها تتحكم بها وقريبة جدا لعدالة الدولة الأبوية القمعية جاهزة دوما لتبرئة المعتدي ومؤسسته.

المؤسسة العربية للحريات والمساواة: 

هي أكبر مؤسسة كويرية اقليمية في المنطقة ومقرها في بيروت، أسسها أحد مدراء حلم عام 2009.

بعد تعالي الأصوات حول تهم التحرش الموجهة ضد أحد أفراد الإدارة العليا في للمؤسسة العربية للحريات والمساواة، أعلنت المؤسسة في 17 إبريل 2020 على موقعها الإلكتروني عن البدء بعملية مساءلة مستقلة وشفافة وفتحت الأبواب لأي أدلة متعلقة بالأمر، استمر التحقيق 45 يوما، في 20 مايوي من ذات السنة أصدرت المؤسسة بيانا تعلن فيه “عدم وجود أي دليل على تحرش من جانب الإدارة العليا في المؤسسة العربية للحريات والمساواة”. وأنها تأخذ سياسات مكافحة التحرش على محمل الجد، وأنهم “ملتزمون بالحفاظ على بيئة عمل آمنة للجميع”.

لكن في 26 يونيو أصدر سائد عطشان (كاتب فلسطيني وأكاديمي) رئيس مجلس المؤسسة الاستشاري بيانا يعلن فيه “بقلب حزين” استقالته من مجلس المؤسسة العربية للحريات والمساواة ثم بدأ يتحدث عن جورج قزي، مؤسس المؤسسة ومديرها التنفيذي، الذي “لم يخضع لتقييم أداء أبدا طوال فترة رئاسة عطشان للمجلس، ولم يشاركه الميزانية المالية للمؤسسة من قبل”، كان قد توصل التحقيق بالفعل إلى عدم وجود أدلة كافية لإثبات التحرش الجنسي من طرف قزي لكن هذه لم تكن النتيجة الوحيدة للتحقيق، فقد توصل إلى وجود “نمط من الاندفاع والانتقامية من طرف” قزي، سرعان ما أصبحت شاهدا مباشرا -وهدف شخصي- بعملية تنمر من قبل قزي وأحد كبار موظفيه (تيا خوري) في الانتقام لمحاولتي معالجة المخاوف المشروعة بشأن سلوك المؤسسة. ومن أجل حجب أي شكل من أشكال المساءلة فيما يتعلق بسلوك المدير التنفيذي”.

بيان مكون من ثلاث صفحات يشرح فيه عطشان “العلاقة المشحونة بين المؤسسة العربية ومجتمع الميم والمجتمع النسوي في بيروت” وعن إرغام قزي  موظفيه على “توقيع إتفاقيات عدم بوح كإداة للمزيد من الإسكات”. وأن المجلس خضع لضغط كبير من قبل قزي أثناء كتابة نتيجة التحقيق النهائية”. بعد استقالة عطشان استقال المجلس الاستشاري بالكامل، وأحدهم كان الاعلامي أحمد شهاب الدين الذي نشر استقالته عبر حسابه على تويتر.


خلال هذه الفترة لم تجمد غالبية الجمعيات الكويرية والناشطين الكويريين/ات  في المجتمعات الناطقة باللغة العربية تحالفاتها مع المؤسسة العربية للحريات والمساواة على حد علمي.

بعدها بأيام قامت المؤسسة العربية بإصدار بيان يبدأ ببهذه الافتتاحية التالية “في إطار ما نشهده مؤخرًا من حملاتٍ تشهيريّة عبر منصّات وسائل التواصل الاجتماعي، وما تتضمّنه من مغالطاتٍ وبياناتٍ مبنيّةٍ على معلوماتٍ مجتزأة فحسب، يهمّ “المؤسّسة العربية للحريات والمساواة (AFE)” أن تؤكّد أنّ الوقت قد حان لعرض الحقائق وتوضيح الادّعاءات المتداولة بشكلٍ علنيّ شفّاف”. ليتناول البيان إنجازات المؤسسة خلال السنوات منذ تأسيسها دون ذكر أي شيء عن المدير التنفيذي والتهم الموجهة له لا بالنفي ولا الإثبات، والمباشرة بـ”ـعمليّة انتخاب مجلسٍ استشاريّ جديد”. بحسب أخر بيان صدر عن المؤسسة فإن قزي الذي أعلنت المؤسسة برائته قرر الاستقالة من منصبه في 30 مارس 2021 . 

بيروت برايد: 

في عام 2019 نشر مجموعة من الناشطين/ات المجهولين/ات العاملين/ات بمجال حقوق وحريات المثليين/ات بيانا على شبكة الإنترنت مطالبا بمقاطعة بيروت برايد ل6ست أسباب كتبت في البيان، منها أن منظم الحدث تربطه علاقات مشبوهة بأجهزة الأمن اللبنانية “صرح دميان علناً أن قوات الأمن الداخلي – التي لطالما ولا تزال تلقي القبض على  أفراد مجتمع الميم وتمارس أشد أنواع التمييز والتعذيب بحقهم  بشكل تعسفي – قد وفرت الأمن والحماية لجمهور بيروت برايد خلال الليلة الافتتاحية للحدث. كما أنه مع كل ذلك لم يصرح حتى عن وجود قوى الأمن الداخلي علنًا في حدث كان من الممكن أن يشكّل مخاطر عالية على المشاركين في هذا الحدث”. وأنه خلال 2018 بعد قيام العديد من ضباط الشرطة بقمع قراءة مسرحية مقررة في استديو زقاق و توقيف دميان واستجوابه، بتهمة التحريض على “الفجور”… ترك المنظم جميع المؤسسات والاشخاص المشاركة ببيروت برايد من دون أي معلومات أو أي مساعدة للتصدي إلى توغلات السلطات الأمنية التي استمرت ضدهم لأسابيع بعد تاريخ إخلاء سبيله بحسب ما ذكره البيان.

في النقطة الأخيرة من البيان يذكر الحدث التالي: “في حزيران 2019، تقدّمت ناشطة من مغايرات النوع الاجتماعي وفنانة الجر “ساشا إيلايجا” على وسائل التواصل الاجتماعية لتشارك تجربتها في عملها مع دميان، بعد أن دعاها إلى أداء جزء من معرض أقيم برعاية Prague Quadrennial. تدعي ساشا أن دميان وعدها بتغطية رحلتها ورسوم التأشيرات والإقامة والإنتاج، ولكن بمجرد وصولها إلى براغ، سحب وعده الأولي وتركها على مسؤوليتها في مكان يتسم بالعنف والكراهية لمغايري الجنس والعنصرية دون أي حماية أو المال أو أي من أساسيات العيش”.

الفضح:
في السطر الأخير لبيان مقاطعة بيروت برايد كتب الناشطين/ات “بعد محاولات عديدة للمفاوضة وبعد التمسك بوعود كاذبة للإصلاح، لم يعد أمامنا أي خيار سوى أن نأخذ الأمور بأيدينا ونطالب بمقاطعة بيروت برايد في وضعها الحالي. نأمل أن تشاركونا في هذه المقاطعة”.  هنا تظهر أهمية الفضح كمقاومة لكل هذا، عندما يرفض المعتدي الانصياع لسيرورة مساءلة عادلة من منظور نسوي كويري وهذا ما قالته فاطمة فؤاد في بيانها، “فعالية الفضح كأداة نسوية توظف في تعرية النفاق السياسي الثوري وإلغاء وجود المغتصبين والمتحرشين والمعنفين من المساحات العامة في سبيل تحررنا… واسترداد فضائنا العام وإعلاء صوت الحق فيه”. 


ويبقى الفضح أداة لا غاية، لدفعلجر المتهمين لعملية مساءلة حقيقية، وهو ما قد يغيب عن الكثيرين بسبب حملنا لشوائب تربيتنا في مجتمعات أبوية تنجر بسهولة وراء عمليات الفضح الجماعي والذي يستهدف عادة للنساء والكويريين/ات نحو ثقافة إلغاء تام للأشخاص والذي تتبعه الدولة دوما مع المجتمع الكويري، مثال:متذكرين مساهمة نشر الحكومة المصرية في نشر صور وأسماء معتقلي كوين بوت في الجرائد عام 2001 بهدف الفضح. 


جيم:
في ٩/ مارس عام 2022 أصدر فريق موقع جيم، وهو  موقع المعني بقضايا الجنسانية والجندر، بيانا يعلنون فيه أسباب استقالتهم من فريق الموقع للعلن، المحور الأساسي في هذا البيان هو العنف النفسي الممنهج الذي مارسته الإدارة على الفريق المكون من ريم وعايدة ومنى ومروان.، وأشد ما صدمني في البيان هو أن إدارة المنصة هددت بطرد زميلة سابقة للفريق “لأن مردودها صار ضعيفا بسبب معاناتها مع السرطان وتلقيها العلاج الكيمياوي” والتي توفيت قبل إتمام عملية طردها.

التزمت منصة جيم الصمت وكأن شيئا لم يكن، ولم ينشر أي من المنصات الإعلامية الأخرى شيئا عن الحدث، حتى تلك التي نشرت في السنة ذاتها شهادة فاطمة فؤاد سابقة الذكر، وكأن تراتبية بين من تحب تلك المنصات فضحه من المجرمين ومن لا تحب فضحه. ومن المثير للاهتمام أن موقع جيم بعد نشر فاطمة فؤاد لبيانها في ٢٠٢٢ أعادت نشر مقال كان قد سبق ونشرته المنصة حول ضرورة تصديق الناجيات على وسائل التواصل الاجتماعية الخاصة بها.


بداية:
بعدها بشهر تقريبا في ١٨ ابريل نشر عاملون/ات سابقون/ات في جمعية بداية وهي أكبر جمعية مثلية في مصر بيانا يفضحون من خلاله الفساد المالي والإداري داخل المؤسسة والعنف النفسي الذي تمارسه الإدارة بحقهم، بعد تقديم هذه المجموعة للأدلة والمستندات اللازمة لمجلس إدارة المؤسسة، تم ايقاف نشاطات الجمعية ووقف الجميع عن العمل لأجل غير مسمى، مما دفع العديد منهم/هن للاستقالة وكتابة ونشر هذا البيان على قائمة بريدية للناشطين والممولين والجمعيات في المنطقة خاصة بالميول الجنسية .

بعدها بيوم واحد ردت الإدارة على البيان في ذات اللائحة البريدية التي نشر عليها، “نؤكد أن الاتهامات بوجود فساد مالي واداري لا أساس لها من الصحة” ببساطة شديدة، وسط وقوف مجموعة من الناشطين المثليين المخضرمين إلى جان إدارة بداية. 

المساءلة:
المخيف حقا، كمية التشابهات بين الفقرات في البيانات المنشورة مع اختلاف زمانها ومكانها، على الرغم من عدم وجود أي صلة بين من نشروها في العديد من الأحيان، وهو ما ينفي أن هذه الانتهاكات مجرد حالات فردية مدفوعة بدوافع شخصية ساذجة بل جرائم متسلسلة ذات نمط يعيد الظهور في أوقات وأماكن متعددة. 

في هذه البيانات دوما هناك ذكر للمولين والتمويل بحد ذاته كأحد أدوات السلطة التي تسمح لشخص ما بممارسة جريمته في بيئة الجمعيات المثلية، ويبدو أن الممولين يتغاضون عن العديد من هذه الجرائم التي ترتكب من خلال تمويلاتهم، والدليل أن أغلبهم مستمرون بتمويل هذه الجمعيات بعد صدور هذه البيانات.

وهنا يجب مناقشة شكل المساءلة الذي نطمح له، هل كانت هذه الجرائم حالات فردية منعزلة عن بعضها البعض حقا؟ ستنتهي بمجرد طرد المجرم من الجمعية مثلا؟ أو محي محتواه من على الانترنت ومقاطعته؟ أم إننا بحاجة إلى عملية مساءلة ضخمة تمكننا من فهم تأثيرات هذا الأسلوب من التنظيم الذي يأخذ شكل الجمعيات والمؤسسات غير الحكومية ذات الطابع الهرمي والممولة من الغرب، هذا الأسلوب الذي فرض علينا بشكل أو بأخر منذ ما يقارب ال 20 عاما. 
هل حقا كل فرد من الأفراد أو مجلس إدارة المؤسسات المذكورة أعلاه كان المسؤول الوحيد عن الجريمة؟ ماذا عن المحيطين بهم\ن الذين استمروا بالدفاع عنهم\ن حتى النهاية ومهاجمة ضحاياهم\ن؟  وماذا عن المنصات التي تسترت عليهم حتى التي هاجمت بشار وآية بغرض تلميع الصورة وتنظيف التاريخ الفاسد؟ ماذا عن الممولين الذين استمروا بتمويل هذه الجمعيات حتى بعد معرفتهم بالانتهاكات المرتبكة فيها؟ إلا يجب أن يخضع هؤلاء للمساءلة أيضا؟ ألا يجب أن يخضع كل هيكل عمل الجمعيات أو المؤسسات غير الحكومية للمساءلة معهم؟

إن كان هذا الهيكل قادر على أحتواء هذا الكم من الجرائم والاحتيال على ممارسات العدالة في أكثر من دولة بأشكال مشابهة، ربما قد يكون المجرم الحقيقي هو النظام لا الأفراد فحسب. 

%d مدونون معجبون بهذه: