Article in English

 

بقلم: أوليفيا كثبيرت
ترجمة: مايا أنور
تدقيق: مهى محمد

تصوير: نجد الطاهر
الإخراج الفني و تلبيس: يوسف الطاهر

 

حُبست العارضة العابرة “صافي علي” في غرفة وعانت لسنوات من الإساءة خلال نشأتها في الكويت. أما الآن، فهي تُلهم الآخرين للتغلب على العقبات الاجتماعية والنفسية التي أبقتها خائفة وغير قادرة على التعبير عن أحاسيسها لفترة طويلة.

“أرجو منكم قراءة قصة نجاتي من الاعتداء الجنسي. إنه عيد ميلادي الثامن والعشرين … أشعر أن هذا هو الوقت المناسب”. في شباط/فبراير 2019، عزلت سافي علي نفسها عشرة أيام، وكتبت عن محنتها ونشرتها على الإنستاجرام.

سيطر القلق عليها، ولكن، وبعد دقائق قليلة، امتلأت صفحة المنشور بالتعليقات. “خليكي قوية“، “فخور فيكي حبيبتي“، “عيد ميلاد سعيد يا حلوة، منورة ومتألقة“.

أخرجت سافي مع أنفاسها القلق الذي اجتاحها، وهدأت. منذ سنوات، عندما كانت لا تزال في مدرسة للأولاد في الكويت، كانت وسائل التواصل الاجتماعي تُسبب لها الذعر. كانت مساحةً للكشف عن حقيقتها التي تُخفيها، وفي المجتمع الكويتي المحافظ، يُعد هذا أمراً مروعاً ويحتمل الخطورة. “في ثقافتنا، يتعلق الأمر دائماً بحديث الناس – ما الذي سيقولونه – أو سينشرونه على الإنترنت”.

تستذكر سافي عندما كانت في السادسة عشر من عمرها، نشر بعض زملائها في المدرسة صوراً لها “تبدو فيها بمظهر أنثوي”. لاحقاً، وهي تغادر المدرسة، وجدت في الخارج قريبها ينتظرها في سيارته. “رفع  الهاتف وسألني: هل هذا أنت؟”. أصبحت تشعر بعد ذلك بالتوتر دائماً، تخشى أن يظهر في أي لحظة منشور موذٍ على الإنترنت.

لكن، وفي ذات الوقت، شكلت وسائل التواصل الاجتماعي حلقة وصل مهمة مع العالم الخارجي والأماكن التي يمكن فيها التعبير بحرية عن الهويات الجندرية المتنوعة. “التحدث إلى أصدقاء حول العالم ورؤية كيف تجري الأمور في الخارج، تشعر بوجود الأمل”.

لم تتجرأ على أن تحلم بأنها ستغادر الكويت يوماً ما وتنتقل إلى نيويورك، حيث تعيش الآن على الجانب الجنوبي الشرقي مع زملائي في سكن، حيث تسعى لتحقيق حياتها المهنية في عرض الأزياء.

في أيلول/سبتمبر الماضي، شاركت في عرض الأزياء الأول لها خلال أسبوع نيويورك للموضة، حيث عرضت ضمن تشكيلة (Vfiles: Yellow Label) في مركز باركلي. “ذهبت إلى تجارب الأداء طوال الأسبوع ووقفت في الطابور لخمس أو ست ساعات، ثم جاء شخص ما واختارني”.

المشي عبر منصة العرض تحت شعاع الأضواء الساطعة، وآلاف العيون تحدق بها، كان أمراً “ساحراً” – تحقيق لحلم راودها طوال حياتها. أخبرها وكلاء اختيار العارضين/ات أن مظهرها أثار إعجابهم. “ربما كانت ملامحي الشرق أوسطيه هي السبب”.

تنشغل سافي الآن بالبحث عن الفرصة التالية لمشاركة صورتها وقصتها مع جمهور أكبر، مشكلةً مصدر إلهام للناجين الآخرين بصوتها الذي بدأ يعلو مؤخراً وبثقة تأتي من “أن أعيش بحرية، أن أكون أنا”.

تصوير نجد الطاهر

“غالباً ما يبتسمون ويقولون مرحباً أو يقومون بالإطراء علي”

كافحت سافي من أجل الانتقال إلى نيويورك في 2017، لم يكن الأمر سهلاً. كان اتخاذ القرار بالمغادرة الجزء الأسهل – كانت لديها تأشيرة مدتها 10 سنوات من زيارة سابقة. ودّعت عائلتها وداعاً سريعاً وغادرت. “أوصلني صديقي المقرب إلى المطار – كان أكبر مصدر إلهام ودعم لي – أصدقائي كانوا بمثابة عائلتي أثناء نشأتي”.

بعدما وصلت إلى المدينة التي لطالما حلمت بأن تعيش فيها، شعرت سافي بالوحدة وعدم الاستقرار، ولكن بعد بضعة أشهر، كونت صداقات وانخرطت في مجتمع الميم في بروكلين ومانهاتن. “أشعر بالترحيب الشديد هنا. تمتاز الحياة هنا بالتنوع والانفتاح، يمكنك الذهاب إلى أي مكان، وأن تكون كما تريد على العلن”.

لاقت قبولاً بشكل كبير. تقول سافي:”بدأ الناس يفهمون الهويات الجندرية بشكل أفضل، قد ينظرون إلي نظرات غريبة عندما أكون في المترو إذا كنت أرتدي ملابس الحفلات، لكنهم غالباً ما يبتسمون ويقولون مرحباً أو يقومون بالإطراء علي”.

عندما تخرج للسهر ليلاً، يكون مظهرها “مثيراً”. عادةً، تختار ارتداء تنورة قصيرة وكولون مشبك، أو سترة ضيقة فوق بنطال ضيق. “أرتدي الكثير من الأشياء اللامعة، وأحياناً ملابس جلدية أو مطاطية – كما أضع ماكياجاً جريئاً جدًا”. خلال النهار، ترتاح أكثر بارتداء الجينز الضيق مع قميص وسترة. “أبدو  وأشعر بالأنوثة فيها”.

غالبًا ما تجعلها بنيتها النحيفة وملامحها الناعمة تبدو امرأة في نظر الرجال في الحانات، لكنها في العادة تخبرهم بأنها امرأة عابرة. تسمع وتقرأ الكثير من قصص العنف الذي يتعرض له العابرون/ات مما يجعلها تُفضل تجنب الالتباس. “أخبرهم بذلك في البداية، حتى على تطبيقات المواعدة”.

لا توجد مشكلة لدى معظم الناس مع جندرها أو توجهاتها الجنسية، ولكن يحدث أحياناً أن تسمع عبارات مثل “الأشخاص العابرون/ات ليسوا/لسن حقيقيين/ات” و “لا يوجد سوى هويتين جندريتين”. تلقت في الماضي منشورات كراهية على الإنستاجرام أو عبر رسائل مباشرة على وسائل التواصل الاجتماعي، لكنها لا تلقي لها بالاً. “أحذفها وأكمل حياتي”.

يحدث ذلك في الشارع من حين لآخر. تتذكر مرة عندما كان رجل ما يصرخ بعبارات كراهية نحو زوجين مثليين يمسكان أيدي بعضهما في بروكلين، نيويورك. “ثم التفت إلي وأخبرني أن أبتعد عنه أيضاً”.

تشعر أحياناً أن الأمر أكثر من مجرد حوادث متفرقة، وأن هناك شعوراً مكبوتاً بالكراهية ضد العابرين/ات جنسياً في المجتمع الأمريكي الأوسع. تزامن إطلاق النار وقتل ثلاث نساء عابرات خلال أيام في أيار/مايو 2019، مع تغييرات على المستوى السياسي بعد قرار الرئيس الأمريكي دونالد ترامب بإلغاء حقوق أفراد مجتمع الميم في مجالي خدمات الرعاية الصحية والمأوى.

وفقًا لأرقام نشرتها “حملة حقوق الإنسان” (Human Rights Campaign)، أكبر مجموعة أمريكية للدفاع عن حقوق مجتمع الميم، تم الإبلاغ عن مقتل 26 امرأة عابرة جنسياً على الأقل في 2018 و29 أخريات في 2017. تعتقد سافي أنه لا يزال هناك ميل قوي نحو لوم الضحية عند وقوع اعتداء على عابر/ة جنسياً، وهو أمر اعتادت عليه من خلال تجربتها الخاصة بالتعرض للعنف الجنسي في الكويت.

تصوير نجد الطاهر

“كنت أخضع للمراقبة والسيطرة طوال الوقت”

في منشور عيد ميلادها على الإنستاجرام، كشفت سافي أن معاناتها بدأت عندما كانت في السادسة من عمرها. كان شقيقها الذي يكبرها بثماني سنوات يعتدي عليها جنسياً باستمرار إلى أن بلغت 15 أو 16 عاماً. كتبت: “كنت مرتبكة وأشعر بالخوف والقلق، كنت وحيدة وخجولة، غريبة ومحرجة وضعيفة”.

تتذكر أنها كانت منذ سن التاسعة تتسلل إلى الحمام لتجرب مكياج والدتها وتحدق في وجهها في المرآة قبل أن تزيله. عندما تكون لوحدها في المنزل، كانت تجرب حذاء والدتها ذو الكعب العالي. تقول سافي: “أعتقد أنني منذ كنت طفلة أردت دائماً أن أكون فتاة”. حاول والداها إرغامها على اللعب بألعاب الأولاد، لكنها كانت تفضل أميرات ديزني وقضاء الوقت مع قريباتها من الإناث. “شعرت أنني أنتمي إليهن وأن لدينا اهتمامات متماثلة.”

تعرضت في المدرسة للتنمر باستمرار، وسرعان ما وصلت تعليقات الأطفال الآخرين إلى والديها. قالت لـ ماي كالي: “سمعوا أن الناس كانوا يدعونني أنا وأصدقائي “بالشواذ”. حينها بدأت المشاكل”.

حاولت عائلتها إبقائها في المنزل، بعيداً عن الأصدقاء الذين وجدت القبول لديهم، وبعيداً عن نظرات إصدار الأحكام من الجيران. في إحدى المرات، رفضوا السماح لها بحضور حفل زفاف عائلي. تقول: “كنت أخضع للمراقبة والسيطرة طوال الوقت”.

حتى أن اختيار دراسة التسويق التجاري لم يكن بإرادتها. أرادت سافي أن تدرس في نيويورك، لكن أهلها أصروا على أن تلتحق بـ “جامعة الشرق الأوسط الأمريكية” القريبة من المنزل.

كانت أي مظاهر أنثوية – إطالة أظافرها، نتف حواجبها، وإزالة شعر الجسم – تؤدي إلى مجموعة جديدة من القيود. في اللحظات الأكثر سوءاً، كان والد سافي يضربها.

مُنعت في صيف إحدى السنوات من مغادرة غرفتها، حتى أن الطعام كانت تأتيها به مدبرة المنزل، كانت تقضي الساعات بمشاهدة برامج التلفاز العربية والاستماع إلى الموسيقى العربية والغربية على جهاز الكمبيوتر. “عندما كانت الأمور تسوء جداً، كنت أدخل إلى تويتر وأتفقد تغريدات “ليدي غاغا”، ألهمتني شجاعتها ولطفها كثيراً”.

كانت تشاهد هي وأصدقاؤها مقاطع لباسم فغالي، دراغ كوين (Drag Queen) من لبنان، وتتذكر مدى شعورهم بالإلهام من “شخصيته الجريئة والمليئة بالثقة”.

لفترة من الوقت، تحدوا المشاعر المحافظة لمدينتهم. “كنا نتجول أحياناً مرتدين أشياء غريبة.” حتى عام 2007، كان هناك فرع لستاربكس في مدينة الكويت يتردد عليه أفراد من مجتمع الميم، فبدأوا بالذهاب إليه بانتظام، أحياناً وهم يضعون المكياج، يستمدون الإلهام من جميع الأشخاص الموجودين هناك والذين كانوا يتحلون بالشجاعة الكافية ليكونوا أنفسهم.

لاحقاً، وسّعت الحكومة الكويتية قانون خدش الحياء العام، الذي يحظر “التشبه بالجنس الآخر بأي شكل من الأشكال”. تبع ذلك موجة من الاعتقالات. ارتعدت سافي قائلةً: “كان الأمر فظيعاً”. سُجن أحد أصدقائها المقربين، ووصف آخرون تعرضهم للضرب والإيذاء في السجن. فر الكثيرون خارج البلاد، واضطر آخرون إلى إخفاء هويتهم الجندرية عن العلن.

تُعتبر القوانين المتعلقة بالمثلية الجنسية في الكويت غامضة إلى حد كبير. فعلى الرغم من أن المثلية الجنسية ليست محظورةً على وجه الخصوص، فإن المادة 193 من قانون العقوبات الكويتي، والتي تسمح بالسجن لمدة تصل إلى سبع سنوات بتهمة “الفجور”، تُستخدم غالباً لمحاكمة أفراد مجتمع الميم في البلاد.

 

تصوير نجد الطاهر

مشاركة قصتها

في لوس أنجلوس، أصبحت سافي صديقة للممثلة والناشطة الأمريكية روز مكجوان. “التقينا في حفلة وتوطدت صداقتنا عندما أخبرتها أنني من الكويت”. أخبرت مكجوان سافي بأنها زارت الكويت واكتشفت صعوبة الحياة فيها. بعد ذلك تبادلتا القصص وشجعت مكجوان سافي على مشاركة تجربتها مع الـ “Rose Army”، وهي حركة تأسست لتقديم الدعم المتبادل للناجين من الاعتداء الجنسي.

تلتقي مكجوان مع سافي عندما تزور نيويورك. “إنها متفهمة جداً وتحب المساعدة. أحاول الآن أن أساند غيري من الناجينات. تعلمت ذلك من روز – تبادل الدعم”.

بعدما نشرت سافي قصتها على الإنستاجرام، توقف بعض أصدقائها عن قضاء الوقت معها. “أخبرتني روز أن بعض الناس سيقومون بذلك، عليكِ فقط تقبل الأمر. إنه أمر جيد من بعض الجوانب – ستعرفين من هم أصدقاؤك الحقيقيين”.

لم تر عائلتها المنشور. أمها فقط تعرف أنها نشرت قصتها على العلن، لكنها التزمت الصمت “خوفاً من والدي والمجتمع والعار الذي سيجلبه المنشور”. لا تتدخل أسرتها في حياتها الآن. “لا أتواصل معهم. لكنهم يعلمون أنني في الولايات المتحدة أحاول تدبر أمور حياتي هنا”.

حاول شقيقها التواصل معها لكن سافي مصممة على منعه من التواجد في حياتها المستقبلية. عندما عادت إلى الكويت مؤخراً لتجديد جواز سفرها، عاودتها الصدمة النفسية بقوة. “أعتقد أنها ستلازمني إلى الأبد، ولكنني أحاول جاهدة أن أكون قوية”.

تجد سافي الأمل في التقدم الذي يحرزه النشطاء في الشرق الأوسط، حيث يجد المزيد من الناس طرقاً للتحدث والمطالبة بحقوق مجتمع الميم في جميع أنحاء المنطقة. “أعتقد أنه سيكون هناك تغيير كبير في المستقبل القريب … في يوم من الأيام، قد يصبح من المقبول أن أمشي في الشارع مرتدية فستاناً ومكياجأً وكعباً عالياً دون التعرض للسخرية أو الاعتقال”.

في الوقت الحالي، لا تعتقد بأن أي مصمم أزياء من الشرق الأوسط سيعمل مع عارضة أزياء عابرة جنسياً. “لن يحدث ذلك فيما يزال القانون والدين والمجتمع ضدنا”. تحلم بالعمل يوماً ما مع المصممين اللبنانيين إيلي صعب وزهير مراد.